سيادة العراق على المحك: صرخة شعب في وجه فساد المنظومة (25 تموز 2025)
سيادة العراق على المحك: صرخة شعب في وجه فساد المنظومة (25 تموز 2025)
بقلم/عدنان صگر الخليفه
لقد أصبح المشهد السياسي في العراق اليوم مرآةً قاتمةً لخيانة الأمانة الوطنية، فالمؤسسة التشريعية، التي من المفترض أن تكون الحارس الأمين لسيادة الوطن وممثل الشعب الأوفى، باتت في نظر الكثيرين مجرد واجهة لمصالح حزبية ضيقة، تفرط بالسيادة بدلاً من أن تحميها. إن ملف اتفاقية خور عبد الله يقف شاهداً صارخاً على هذا الانحدار، فكيف لبرلمان عراقي أن يُطلق على نفسه صفة "الوطني" وهو يقف عاجزاً عن رفض اتفاقية يعتبرها الشعب "مذلة"؟ هذا التساؤل المرير يتردد صداه في كل بيت عراقي، مؤكداً أن الولاء قد تحول عن الوطن ليخدم أجندات ضيقة، وأن البرلمان لم يعد عراقياً بقدر ما هو ممثل لأحزاب يُرى أنها باعت مقدرات البلد.
المفارقة الصارخة التي تجرح كبرياء أي مواطن غيور تتجلى في إقرار هذه الاتفاقية "المذلة"؛ فكيف يمكن لمسؤولين، سواء كانوا نواباً أو أعضاء في الحكومة، أن يصفوا اتفاقية بأنها مهينة للعراق والعراقيين، ثم يرفعوا أيديهم بالموافقة عليها؟ هذا السلوك ليس مجرد ازدواجية في المعايير، بل هو نفاق سياسي فاضح، يُهين الكرامة الوطنية ويُثير غضباً شعبياً عارماً. لقد رفض الشعب العراقي هذه الاتفاقية بوضوح تام، عبر أصواتهم المدويّة في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، وحتى من خلال التصريحات العلنية للمسؤولين أنفسهم الذين أظهروا رفضاً لها في العلن بينما وافقوا عليها في السر. هذا الرفض الشعبي الصريح يُعد دليلاً قاطعاً على أن هذه الاتفاقية مرفوضة في وجدان الأمة، وأنها نتاج ترتيبات داخلية فاسدة.
الفساد في العراق لم يعد مجرد أفعال فردية معزولة، بل هو منظومة متكاملة تُدار بإرادة سياسية واضحة، تشابكت خيوطها لتخنق أي محاولة للإصلاح أو المحاسبة. ويُعزز هذا الاعتقاد رفض بعض النواب الذين يدّعون الدفاع عن سيادة العراق الكشف عن أسماء الكيانات والبرلمانيين الذين وافقوا على هذه الاتفاقية. هذا الصمت المتعمد ليس سوى موافقة ضمنية وتستر على الفساد، مما يؤكد أنهم جزء لا يتجزأ من هذا النظام الذي بات يحمي أفراده لضمان استمرارهم في مناصبهم وتحقيق مكاسبهم الانتخابية. والأدهى من ذلك، أن هذه الحقيقة المرة ليست خافية على أحد؛ فالمجتمع الإقليمي والدولي يعلم علم اليقين بطبيعة هذا الفساد المنظم، والدليل على ذلك إحاطات ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، جينين هينيس-بلاسخارت، أمام مجلس الأمن، التي أكدت مراراً أن الفساد أصبح نظاماً يعيق تقدم العراق.
حتى المنظومة القضائية، التي يُفترض أن تكون حصناً للقانون والعدالة، لم تسلم من هيمنة هذا الفساد. فالقضاة الذين أُقيلوا أو استقالوا بسبب رفضهم لهذه الاتفاقية، ثم أُعيدوا فيما بعد، يؤكدون بما لا يدع مجالاً للشك أن الاتفاقية فُرضت بقوة الضغط السياسي لا بقوة القانون أو الإرادة الحرة. هذه الحادثة تبرهن أن الاتفاقية لم تُبرم بناءً على توافق وطني أو شرعية قانونية خالصة، بل كانت نتيجة إرادة سياسية فاسدة تجاوزت كل الاعتراضات القضائية والشعبية.
إن كل هذه المعطيات تُشكل تحذيراً واضحاً وصريحاً: إذا ما أصرت دول مثل الكويت، أو أي جهة أخرى، على التعامل مع هذه المنظومة السياسية الملوثة بالفساد لشراء أو إقرار اتفاقيات تمس السيادة الوطنية، فإنها بذلك لا تبرم صفقات مع دولة، بل تخلق عداوة دائمة مع الشعب العراقي برمته. لم يعد العدو كامناً في شخص أو نظام فردي كما كان الحال مع صدام حسين، بل سيتولد عدو دائم في الوعي الجمعي للشعب. هذه المنظومة السياسية الحاكمة في العراق، وباعتراف الجميع إقليمياً ودولياً، لا تمثل الشعب العراقي حقيقة. وبالتالي، فإن أي اتفاقيات تُبرمها هذه الكيانات التي لا تحظى بالتمثيل الشعبي، تُعتبر منقوضة ولا يمكن الاعتراف بها، حتى لو وُضعت تحت مظلة الأمم المتحدة، لأنها تفتقر إلى الأساس الأهم: إرادة الشعب وشرعيته الحقيقية.
التعليقات الأخيرة