وفاء بالتقسيط المريح: كيف يُكرّم العراق شهدائه
وفاء بالتقسيط المريح: كيف يُكرّم العراق شهدائه
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
لطالما كانت دماء الشهداء هي أغلى ثمن يُدفع من أجل الوطن، ولكن في عراقنا العظيم، يبدو أن هذه الدماء ليست سوى سلعة ثمينة تستحق أن يُزايد عليها السياسيون. فبينما يصدح قادة الحشد الشعبي بخطابات عصماء عن "ترسيخ الدولة" بفضل هذه الدماء، تُظهر الحقائق المضحكة على الأرض أن هذا الوفاء لا يُقاس إلا بالمال، وبالمال الذي تدفعه عوائل الشهداء بالذات.
يُخبرنا القادة بكل فخر أنهم يمثّلون هذه الدماء، وفي المقابل، تُخبرنا أسعار الشقق السكنية في مشروع بسماية عن القيمة الحقيقية لهذا التمثيل. فبينما يحصل المواطن العادي على الشقة بسعر 140 مليون دينار، تُمنح عائلة الشهيد ذات الشقة بسعر 240 مليون دينار. إنها معادلة رياضية عبقرية تفرضها الحكومة: نصف السعر الإضافي هو ثمن "شرف" التضحية!
هذا النهج لا يكشف عن نفاق الطبقة السياسية فحسب، بل يضعنا أمام واقع تهكمي مرير: أن المؤسسات التي تدعي خدمة هذه العوائل، مثل مؤسسة الشهداء، هي في الحقيقة شريك فاعل في هذه المهزلة. فمن المنطقي أن تُمنح هذه العائلات الشقة بسعر زهيد، أو حتى مجاناً، كاستحقاق حقيقي، ولكن في منطق "الوفاء" السياسي، يتم تثقيل كاهلهم بالديون وإيهامهم أن هذا هو قمة العرفان بالجميل.
وهنا تكتمل الصورة: فالدماء في هذا الوطن لها ألوان وأسعار مختلفة. دماء من كانوا في المنفى لها امتيازات، بينما دماء الأغلبية الفقيرة التي سالت دفاعاً عن الوطن ليس لها سوى استحقاق دفع ضعف الثمن. هذا هو منطق المضحّين الجدد، الذين فرّوا بالأمس وعادوا اليوم ليحكموا، ويطالبوا أبناء من بقي وضحى بدفع فاتورة "وفائهم" له.
التعليقات الأخيرة