العمر مدرسة و الاعتزال من ثمارها
العمر مدرسة و الاعتزال من ثمارها
ما هو الاعتزال؟
هو تركُ أمرٍ ما أو عملٍ ما، وعدم العودة إليه.
قد يكون الاعتزالُ نتيجةَ ضغطٍ نفسي، أو اجتماعي، أو خارجي، وهنا يُعدّ موقف ضعف.
وقد يكون قرارًا شخصيًا حرًا يتّخذه الإنسان من أجل راحته وطمأنينته .
وفي هذه الحالة، يكون الاعتزالُ فعلَ قوّة داخلية، وانسحابًا هادئًا من ضجيج العالم، بحثًا للراحة .( مثل قديم بلاْءالناس من الناس ).مثل اخر مناقض ( الجنة بدون الناس لا تداس) ، لكل امر في الحياة الشيء و نقيضه .
الاعتزال في الفكر الفلسفي والديني ( من ويكبديا و غوغل ، الكتاب المقدس و القران الكريم )
البوذية :
تُعلِّم البوذية أن التخلي عن التعلّق بالرغبات والأشياء المادية هو مفتاح السعادة الحقيقية .
والعزلة تُعين على هذا التخلي، إذ تتيح للفرد أن يبتعد عن مصادر التشويش والارتباك، ويتأمل داخليًا .
سقراط :
يرى أن العزلة ليست انعزالًا جسديًا فقط، بل حالة ذهنية وفكرية.
فالعزلة الحقيقية عنده هي الإبتعاد عن الجهل والتفاهة، وعدم الإنجراف خلف الآراء السائدة دون تفكير نقدي .
الجهل، عند سقراط، هو أشدّ أنواع العزلة . كما ان التفكير النقدي
واتخاذ القرارات عن حكمة ومعرفة، هو السبيل إلى التحرّر .
المسيحية :
في لحظة الألم العميقة، قال السيد المسيح (متّى 26: 38)
« نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ. اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي».
ثم (متّى 26: 39)
.«ثُمَّ تَقَدَّمَ وحيدا ( السيد المسيح )قَلِيلًا وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي...».
السيد المسيح، في لحظاته الأخيرة، اعتزل الجمع، وانفرد في الصلاة والخضوع لإرادة الآب، طلبًا للقوة والسكينة.
مما ورد في القرآن الكريم
قال تعالى في سورة الدخان :
> ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ (الآية 21)
في هذه الاية :الاعتزال موقف نبوي ، حين معاندة الحق ، فالحوار غير مجدٍ.
في سفر الأمثال:
«مَن انعزل عن نفسه، سعى وراء شهواته، وخالف كل رأي صواب» (أمثال 18: 1) .
بين الأنبياء والفلاسفة… والبشر
كثير من الأنبياء والفلاسفة اعتزلوا العالم، وكذلك بعض الناس، طلبًا للسكينة، أو للراحة من صخب الحياة ومشكلاتها .
وعند النضوج الفكري، قد لا يكون الإعتزال نتيجة حزن أو خيبة، بل ببساطة رغبة في الوحدة .
كما قد يكون وسيلة للتفرّغ للعمل الحر، والإبداع، والتأمّل في الذات والوجود .
في الإعتزال حماية للفكر:
حين يرى المعتزل أن المجتمع فاسد أو ضاغط، تصبح العزلة بالنسبة له سبيلًا للنجاة، للحفاظ على نقاء روحه وحرية فكره.
على سبيل المثال :
أبو العلاء المعري اعتزل الناس أكثر من أربعين عامًا في بلدته معرّة النعمان، زهدًا متقشّفًا، متفرّغًا للتأمل ..
المتنبي انسحب من الحياة السياسية والشعرية، بعدما ضاق بالحسد والمنافسات والمؤامرات، وافتقد الأمان في بلاط سيف الدولة .
الاعتزال والإبداع:
الشاعر، الكاتب، النحّات، الرسّام…
غالبًا ما يحتاجون إلى الاعتزال ليُبدعوا.
فالضوضاء، وكثرة البشر، خاصة المتطفلين، تفسد على المبدع صفاءه، وتسرق لحظة الوحي منه .
العزلة… سلاح ذو حدّين
الوحدة قد تكون قاتلة، إن جاءت بعد سنٍّ معيّن، دون أن يرافقها نشاطٌ فكري أو جسدي جاعلة المتوحد محدوداً فكريا و تصرفاً..
لكنّ العزلة، حين تكون قرارًا ناضجًا ومثمرًا، فإنها تصبح إنتاجًا قيّما، وربما من خيرات الطبيعة نفسها، بعيدًا عن أي التزام مادي، أو مساعدة اجتماعية من أحد .
الاعتزال ليس دومًا انسحابًا، بل قد يكون وقفة نضج وتأمل.
العمر مدرسة، ومن فهم دروسها، عرف متى يعتزل ليحيا…
في سكينةٍ، وسلام .
ملفينا توفيق أبومراد
عضو اتحاد الكتّاب اللبنانيين
2025/8/5
التعليقات الأخيرة