المدنية في الإسلام: من الأصول النبوية إلى تحديات العصر
المدنية في الإسلام: من الأصول النبوية إلى تحديات العصر
إعداد/ الكاتب والباحث/ عدنان صگر الخليفه
مقدمة: مفارقة المدنية المفقودة
تتأمل المجتمعات العربية والإسلامية في عصرنا الحالي واقعًا يبدو متناقضًا. فبينما تتطلع هذه المجتمعات إلى بناء دول حديثة تقوم على مبادئ العدالة والمساواة، تجد نفسها غالبًا في صراع مع مفاهيم مثل "المدنية" و"العلمانية". هذه المفاهيم، التي يُنظر إليها أحيانًا على أنها دخيلة أو معادية للدين، أصبحت سببًا في تشرذم هذه المجتمعات وتخلفها. ولكن، هل هذا التناقض حقيقي؟ أم أنه نتاج قراءة مشوهة للتاريخ والفكر؟ يهدف هذا البحث إلى تفكيك هذه المفارقة من خلال العودة إلى الأصول الفكرية للمدنية، والبحث عن جذورها في الرسالة النبوية والإسلام الأصيل، وإظهار أن المدنية ليست خصمًا للدين، بل هي تجسيد لمبادئه السامية.
الأسس الإسلامية للمدنية: دستور إلهي للحكم
لم يأتِ الإسلام ليكون مجرد دين للعبادة، بل جاء كمنظومة متكاملة للحياة، تضع أسسًا متينة لبناء مجتمع عادل ودولة مدنية. ويمكن تلخيص هذه الأسس في عدة مبادئ محورية. لقد أرسى الإسلام مبدأ المساواة الكاملة بين البشر على أساس كرامتهم الإنسانية. فقول الإمام علي "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق" ليس مجرد مقولة، بل هو أساس لفلسفة المواطنة التي تتجاوز الهوية الدينية أو العرقية. إن جوهر الرسالة النبوية، كما جاء في قوله تعالى "وإنك لعلى خلق عظيم"، هو أن الأخلاق هي أساس الحكم الصالح. فالدولة الإسلامية، في صورتها المثالية، هي دولة أخلاقية بالدرجة الأولى، تحكم بالعدل وتضمن الحقوق للجميع. لقد وضع القرآن الكريم مبدأ "لكم دينكم ولي دين" كأساس للتعايش السلمي، وهو ما يرسخ حرية المعتقد والتعددية الفكرية، وهي من أهم ركائز أي مجتمع مدني متقدم. ولم يرفض الإسلام الملكية الفردية أو التجارة الحرة، بل نظمها من خلال آليات مثل الزكاة، التي تهدف إلى تحقيق التكافل الاجتماعي وتوزيع الثروة بشكل عادل، مما يجنب المجتمع ويلات الرأسمالية المتوحشة والاشتراكية الملغية للملكية الفردية.
مأساة الانحراف: من الأصول إلى الصراع
على الرغم من هذه الأصول الراسخة، فإن التاريخ الإسلامي شهد انحرافات كبرى أدت إلى تراجع هذه المبادئ. فقد تم تجاهل هذا "الدستور الإلهي" من قبل قوى سياسية معينة، واستبداله بأجندات ومصالح ضيقة. لقد شهدنا كيف تم تبرير الاقتتال الداخلي، وكيف تم إحلال مال وعرض الآخرين من خلال فتاوى مشوهة، مما أدى إلى صراعات دموية، ولعل مأساة كربلاء هي المثال الأوضح على كيفية استغلال الدين لتبرير أبشع الجرائم. إن هذه الانحرافات لم تكن عفوية، بل كانت جزءًا من عملية "تجهيل" مقصودة، تهدف إلى فصل المجتمع عن أصوله الحقيقية. وقد ساهم في هذا التجهيل من "المجتهدين" الذين قاموا بتبني أفكار دخيلة، أو من ساهموا في إفراغ الرموز الدينية من محتواها، فكما تم تبرير قتل الحسين في الماضي، يتم اليوم محاولة إفراغ ثورته من محتواها الجوهري وإبقائها في إطار الشعائر العاطفية، وهذا يخدم نفس الهدف: إبقاء الأمة في حالة من الغفلة عن مبادئها الحقيقية.
المدنية في العصر الحديث: تشويه متعمد
أدى هذا الانحراف التاريخي إلى خلق صراع مصطنع في العصر الحديث. فمن جهة، قامت الحضارة الغربية، التي كانت في أوقات سابقة قائمة على القتال وسلب حقوق الشعوب، بتبني الكثير من هذه الأفكار الأصيلة وصياغتها في صورة جديدة منسوبة إليها. ومن جهة أخرى، قام بعض "المجتهدين" في الشرق بتبني هذه الأفكار المشوهة وتصويرها كأنها معادية للدين، بينما هي في الواقع من صلب قيمه. هذا التشويه كان متعمدًا، حيث يخدم غرضين رئيسيين: الأول هو تكفير المدنية، وإقناع المجتمعات بأن المدنية تتعارض مع الدين، مما يخلق حاجزًا نفسيًا يمنع أي محاولة لبناء دولة مدنية. والثاني هو تشويه صورة المدنية، من خلال قيام بعض الأحزاب التي تدعي المدنية بالابتعاد عن قيم المجتمع الإسلامي، مما يثبت الصورة السلبية للمدنية في أذهان الناس.
خاتمة: نحو مدنية أصيلة
في الختام، يتبين أن المدنية ليست فكرة دخيلة على الإسلام، بل هي تجسيد لمبادئه. إن الأزمة التي تعاني منها المجتمعات العربية والإسلامية اليوم ليست أزمة عقيدة، بل هي أزمة في الفهم والتطبيق. إن الخروج من هذه الأزمة يكمن في العودة إلى الأصول التي وضعها النبي والإمام علي، والتي قدمت للعالم نموذجًا فريدًا للمواطنة والعدالة. إن بناء دولة مدنية حقيقية لا يتطلب التخلي عن هويتنا، بل يتطلب العودة إلى هذه الأصول وتجديدها بما يتناسب مع تحديات العصر.
التعليقات الأخيرة