القضايا الوطنية: بين الشعارات السياسية وواقع المصالح
القضايا الوطنية: بين الشعارات السياسية وواقع المصالح
بقلم/عدنان صگر الخليفه
منذ سنوات، اعتاد المواطن العراقي على مشاهدة صور القادة السياسيين وهم يجتمعون في قاعات فخمة، لتصدر بعدها بيانات صحفية مقتضبة تتحدث عن "مناقشة القضايا الوطنية وسبل حلها". هذه العبارة أصبحت أشبه بنشيد سياسي متكرر، لا يفسر شيئًا ولا يكشف عن أي جديد. ومع كل لقاء، يتجدد التساؤل: ما هي هذه "القضايا الوطنية" التي يتم الترويج لها، ولماذا تبقى تفاصيلها بعيدة عن أعين الشعب؟
إن التدقيق في المشهد السياسي يظهر أن القضايا التي تُصنَّف كـ "وطنية ملحة" هي في الواقع قضايا تتعلق بشكل مباشر بمصالح الكتل السياسية ذاتها. فغالبًا ما تدور النقاشات حول توازنات القوى، وتوزيع المناصب الوزارية، وتثبيت النفوذ الاقتصادي، وضمان استمرار المكاتب الاقتصادية التابعة للأحزاب. هذه القضايا، وإن كانت حاسمة لبقاء الكتل في السلطة، إلا أنها لا تعكس بالضرورة أولويات المواطن الذي يعاني من ضعف الخدمات والفساد المستشري.
خور عبد الله: اختبار الوطنية الذي أُخفق فيه
إن القضية الوطنية الحقيقية هي تلك التي تمس سيادة البلد ومستقبل أجياله. مثال على ذلك هو ملف خور عبد الله، الذي أثار الرأي العام بعد قرار المحكمة الاتحادية عام 2023. كان من المتوقع أن يعود هذا الملف إلى البرلمان ليتم حسمه بتصويت وطني، إما بالرفض القاطع لحماية سيادة العراق، أو بالقبول بتحمل مسؤولية ذلك أمام الشعب. ولكن ما حدث كان العكس تمامًا؛ إذ فشل البرلمان مرارًا في تحقيق النصاب اللازم للتصويت على قضية بهذه الحساسية.
هذا الفشل الجماعي ليس مجرد تقاعس، بل هو مؤشر صارخ على أن الكتل السياسية تهرب من المسؤولية وتخشى اتخاذ قرار حاسم قد يُغضب الشارع أو يعرّض مصالحها للخطر. إن غياب النصاب على قضية كهذه يكشف بوضوح أن "الوطنية" في قاموسهم لا تشمل القضايا التي تتطلب تضحية أو مواجهة.
هل يمكن شراء الوطنية؟
أحد أكثر الجوانب إحباطًا هو انضمام شخصيات تُعرف بوطنيتها ونزاهتها إلى كتل سياسية غارقة في الفساد. يتساءل الكثيرون: كيف يمكن لشخص يدعي الوطنية والدفاع عن حقوق العراق أن يذهب في انتخابات مع كتل يُتهم قادتها بالفساد؟
قد يكون الجواب في أن هذه الكتل لا تستهدف الفاسدين فقط، بل تستهدف بشكل خاص الشخصيات ذات السمعة الطيبة. فهي تقدم لهم عروضًا "لا تُرفض" – كمنصب وزاري أو موقع قيادي – ليس لتمكينهم من الإصلاح، بل لتوظيف سمعتهم كواجهة شرعية للمنظومة الفاسدة. إنها عملية "غسيل سمعة" سياسية، حيث يُمنح الفاسدون غطاءً وطنيًا مقابل ضم شخصيات محترمة إلى صفوفهم.
الوطنية لا يمكن أن تُشترى بمنصب أو مال. إنها مبدأ يُقاس بالأفعال والقرارات التي تُقدم المصلحة العامة على المصالح الشخصية والحزبية. عندما يختار "الوطنيون" الانخراط في منظومة قائمة على الفساد، فإنهم يساهمون في إدامة المشكلة، ويُعطون انطباعًا بأن مبدأ الوطنية نفسه أصبح سلعة في سوق السياسة.
إن التمييز بين الشعارات والأفعال هو مسؤولية الجمهور. فـ "القضايا الوطنية" الحقيقية هي تلك التي يرى المواطن نتائجها في حياته اليومية، أما ما دون ذلك، فهو مجرد مصطلح فضفاض يستخدم لإخفاء واقع المصالح الشخصية التي تتحكم بمقدرات البلاد.
التعليقات الأخيرة