إسرائيل الكبرى من حلم ديني إلى مشروع هيمنة عبر الخادم والمال
إسرائيل الكبرى من حلم ديني إلى مشروع هيمنة عبر الخادم والمال
بقلم/عدنان صگر الخليفه
لم تعد فكرة "إسرائيل الكبرى" مجرد حلم ديني منقوش في صفحات التاريخ، بل تحولت في العصر الحديث إلى مشروع جيوسياسي يتقدم بخطى ثابتة، لكن هذه المرة ليس بحد السيف، بل بأدوات أكثر تعقيداً ودهاءً. لقد تخلت هذه الرؤية عن النهج التقليدي للغزو العسكري، واستبدلته باستراتيجية تقوم على النفوذ السياسي والاقتصادي، مستغلةً نقاط الضعف الداخلية في المنطقة العربية. لم يعد الهدف هو احتلال الأرض مباشرةً، بل السيطرة على العقول والقرارات من خلال شبكات مصالح معقدة.
يُعد هذا التحول الاستراتيجي أبرز سمات المشروع في نسخته الجديدة. فبدلاً من إرسال الدبابات والطائرات لاحتلال عواصم المنطقة، باتت إسرائيل تعمل من خلال اتفاقيات دبلوماسية وشركات اقتصادية، توفر لها نفوذاً عميقاً في الدول المجاورة. ويأتي دور بعض القادة العرب في هذا السياق، حيث يُنظر إليهم ليس كأعداء، بل كـ"وسطاء" أو "وكلاء" يخدمون المصالح الأجنبية مقابل ضمان بقائهم في السلطة. لقد أصبح وجود هؤلاء القادة، واستقرار أنظمتهم، مرهونًا بمدى قدرتهم على خدمة هذا المشروع، وتقديم التنازلات السياسية والاقتصادية التي يتطلبها.
هذه الاستراتيجية وجدت ضالتها في حالة الشعوب العربية، التي أصبحت أكثر اهتمامًا بالاستقرار الاقتصادي والمعيشي بعد سنوات من الاضطرابات. لقد أدركت القوى المتحكمة في المشروع أن السيطرة على الاقتصاد أداة أكثر فعالية من القوة العسكرية. فعندما ينعم المواطن بنوع من الاستقرار النسبي في حياته اليومية، يصبح أقل اهتمامًا بالقضايا السياسية الكبرى أو التنازلات السيادية التي تقدمها حكومته. هذا الإلهاء الاقتصادي يُستخدم لتبرير التخادم السياسي، حيث يتم تهميش أي صوت معارض وتصويره على أنه "مخرب" يهدد هذا الاستقرار.
وفي هذا الإطار، تتحول العلاقات بين بعض الأنظمة العربية وإسرائيل إلى "صفقة" غير معلنة. فمن جانب، تُقدم هذه الأنظمة الموارد الاقتصادية الكبرى، وتفتح أسواقها، وتُضفي شرعية على وجود إسرائيل في المنطقة. وفي المقابل، تضمن إسرائيل، بالتعاون مع حلفائها الدوليين، استقرار هذه الأنظمة وبقاءها في السلطة، وتحميها من أي معارضة داخلية أو خارجية. وهكذا، تُصبح "إسرائيل الكبرى" حقيقةً ليس بحدودها التوراتية، بل من خلال شبكة من النفوذ والمال، التي تجعل الأجزاء المتبقية من الخريطة مجرد خطوات قليلة تفصلها عن الاكتمال.
التعليقات الأخيرة