news-details
مقالات

البرلمان العراقي: من الجمود إلى ضرورة التغيير الجذري

البرلمان العراقي: من الجمود إلى ضرورة التغيير الجذري


بقلم/عدنان صگر الخليفه 

تتجه العملية السياسية في العراق نحو مفترق طرق حاسم، حيث يطرح الأداء البرلماني خلال الدورة الخامسة تساؤلات جدية حول جدوى النظام السياسي بأكمله. فالجمود الذي شهده مجلس النواب، مع صعوبة عقد الجلسات التشريعية، لم يكن مجرد أزمة عابرة، بل كان مؤشراً على أزمة أعمق في هيكل الحكم نفسه. هذا الواقع يثير في الشارع العراقي نقاشاً حاداً حول جدوى استمرار نفس الوجوه والكتل السياسية التي ترفع شعارات براقة لكنها تفشل في تحقيق أبسط المهام.
أزمة التمثيل: ما بعد الشعارات الرنانة
تكمن الأزمة الأساسية في التناقض الصارخ بين وعود الكتل السياسية على لافتات الحملات الانتخابية، وبين أدائها الفعلي داخل قبة البرلمان. فبينما تتحدث هذه الكتل عن المشاريع التنموية والخدمات، يقف البرلمان عاجزاً عن سن القوانين الضرورية لخدمة المواطن، بما فيها القوانين الحيوية للموازنة العامة. هذا العجز ليس عرضياً، بل هو نتاج لمنظومة حكم مبنية على المحاصصة والولاءات الفئوية بدلاً من الكفاءة والمصلحة العامة. إن برلماناً لا يستطيع الالتئام أو التشريع يفقد قيمته الديمقراطية ويتحول إلى مؤسسة شكلية لا تخدم إلا مصالح القوى المهيمنة عليه.
المشكلة في النظام، وليس في الأفراد
إن التحليل الدقيق للأزمة يظهر أن المشكلة تتجاوز مجرد فشل النواب كأفراد. فالحقيقة أن هذه النخبة السياسية التي تسيطر على المشهد قد جاءت إلى السلطة عبر قواعد انتخابية خاصة بها، لا تمثل سوى نسبة ضئيلة من الشعب العراقي. هذه النسبة التي قد لا تتجاوز 20% من مجموع الناخبين، تمنح الشرعية لمجموعات لا ترى في الحكم وسيلة لخدمة الشعب، بل أداة لتحقيق المصالح الشخصية والحزبية. ولهذا، فإن المطالبة بتغيير الوجوه دون تغيير النظام القائم على المحاصصة لن يقدم حلاً حقيقياً. إنها عملية إعادة إنتاج للفشل نفسه، حيث تعود نفس القوى إلى السلطة من خلال قواعد اللعبة التي وضعتها بنفسها.
الدعوة إلى التغيير الجذري: لا شرعية بدون إنجاز
من هنا، يبرز رأي يذهب إلى أن الحل يكمن في خطوة أكثر جرأة: رفض المشاركة في الانتخابات القادمة. إن الدعوة إلى الانسحاب من هذه العملية السياسية ليست دعوة للتقاعس، بل هي موقف مبدئي يهدف إلى عدم إعطاء الشرعية لنظام أثبت فشله. فالأحزاب والحركات التي تدعي الوطنية وتطالب بالتغيير، يجب عليها أن تثبت صدق ادعاءاتها من خلال رفض الاستمرار في لعبة سياسية لا يمكن الفوز فيها لصالح الشعب.
إن هذا الموقف يدعو إلى ضرورة إلغاء المحاصصة والطائفية كركائز أساسية للنظام، والدعوة إلى تبني قوانين ونظم جديدة تخدم العراق ككل، وتضمن تحقيق عدالة انتقالية في الحكم السياسي. إن مسؤولية هذا التغيير لا تقع على عاتق الشعب وحده، بل على المرجعيات الدينية والنخب المستقلة التي يجب أن تتبنى خطاباً واضحاً يدعو إلى رفض هذا النظام، والترويج لبديل يمثل إرادة العراقيين في التغيير الحقيقي.
وبهذا، فإن أي طرف سياسي يختار المشاركة في الانتخابات القادمة، يساهم في شرعنة الفساد والطائفية الموجودة، ويكشف عن زيف ادعاءاته بالتغيير، في حين أن من يختار الانسحاب يكشف عن رغبته في بناء وطن حقيقي، حتى لو كان ذلك يعني التضحية بالمكاسب السياسية الآنية.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا