العراق بين وهم المقالات الأجنبية ومرارة الواقع
العراق بين وهم المقالات الأجنبية ومرارة الواقع
بقلم/عدنان صگر الخليفه
ردًا على مقال مايكل روبن الذي حاول إيهام الرأي العالمي والعربي بأن العراق قد وصل إلى مستويات يمكن مقارنتها بدبي ومصر، نقدم هذا الإيضاح لتصحيح الصورة. إن أي تحليل يتناول الواقع العراقي، إذا كان يعتمد فقط على التواصل مع أعضاء الحكومات المتعاقبة، فإنه محكوم عليه أن يكون زائفا. فالحقيقة ليست موجودة في مكاتب المسؤولين، بل في شوارع العراق ومنازل شعبه. المقالات التي تُبنى على مصادر حكومية منحازة لا يمكن أن تقدم صورة حقيقية، بل هي فقط تخدم مصالح الحكومات الفاسدة التي أنتجتها، وتُضلل الرأي العام، وتتجاهل إرادة الشعب العراقي الحقيقية في التغيير.
من أكبر مظاهر هذا التزييف هي الأبراج الزجاجية ومراكز التسوق الفاخرة التي تزعم بعض المقالات أنها دليل على التقدم والانتعاش الاقتصادي. لكن الحقيقة مختلفة تماماً؛ فهذه الأبراج ليست سوى تجسيد للفساد المستشري. فالأراضي الثمينة تُمنح مجاناً أو بأسعار رمزية لمستثمرين محددين، ثم تُبنى عليها هذه الأبراج بقروض حكومية، لتباع بعد ذلك بأسعار خيالية تتراوح بين 300 ألف إلى 500 ألف دولار. من الواضح أن هذه المشاريع ليست حلاً لأزمة السكن، بل هي مشاريع لطبقة قليلة من الأثرياء وواجهة لعمليات غسيل أموال. إنها لا تخلق قيمة حقيقية للاقتصاد، بل تكرس الفجوة الطبقية وتزيد من الفساد.
أما مراكز التسوق التي تظهر في كل مكان، فهي لا تدل على اقتصاد مزدهر، بل على الطبيعة الاستهلاكية الريعية للاقتصاد العراقي. هذه المراكز لا تقدم منتجات محلية، وإنما تروج لمنتجات مستوردة، مما يرسخ فكرة أن العراق بلد لا ينتج بل يستهلك فقط. هذا النمط من الحياة الاستهلاكي هو نتيجة طبيعية للاقتصاد المعتمد على النفط، الذي يوفر سيولة مالية تُصرف على الاستهلاك بدلاً من أن تُستثمر في الإنتاج أو الصناعة المحلية.
إن المقارنات التي يقدمها بعض الكتاب، مثل مايكل روبن، بين العراق ودبي أو مصر، هي مقارنات مضللة ولا تمت للواقع بصلة. فدبي تمتلك اقتصاداً متنوعاً ومستقراً وبنية تحتية عالمية، بينما لا يزال العراق يعاني من اعتماده على النفط. أما مصر، فلديها قاعدة صناعية وزراعية راسخة، وحكم مركزي أكثر استقراراً، مما يجعلها مختلفة تماماً عن الواقع العراقي. هذه المقارنات لا تخدم سوى فكرة تجميل الواقع وإيهام العالم بأن العراق يسير على درب التطور، في حين أنه يغرق في الفساد.
إن أكبر دليل على تحيز هذه المقالات هو إغفالها المتعمد للحقائق الأكثر أهمية. إنها تتجاهل تماماً القمع وتكميم الأفواه الذي يمارس على الشعب العراقي. لا تذكر المقالات العنف الذي واجهته الحركات الاحتجاجية، ولا سقوط الشهداء، ولا غياب المساءلة. هذا الإغفال المتعمد يُظهر أن الغرض من هذه الكتابات ليس تقديم الحقيقة، بل تبرير الفساد وإعطاء الانطباع بأن الشعب العراقي راضٍ عن الأوضاع، في حين أن الشعب يريد التغيير اليوم قبل الغد.
التعليقات الأخيرة