انفلات الحقيقة: حين يصبح الرأي العام هو السلطة الرابعة
انفلات الحقيقة: حين يصبح الرأي العام هو السلطة الرابعة
بقلم/عدنان صگر الخليفه
عندما نتحدث عن الفوضى التي تعم مجتمعاتنا، غالباً ما يشار إلى "فوضى الإعلام" و"انفلات وسائل التواصل الاجتماعي" كأحد أخطر التهديدات. ولكن، قد تكون هذه الرؤية قاصرة، فما نراه ليس فوضى عابرة، بل هو انفلات للحقيقة بعد عقود من القمع والتغييب. إنها اللحظة التي يقرر فيها الرأي العام أن يصبح هو السلطة الرابعة، ويأخذ على عاتقه مهمة كشف الحقائق التي غيّبها الإعلام الرسمي.
إن هذا الانفلات ليس ظاهرة طارئة، بل هو نتيجة منطقية لفشل مؤسسات الدولة في بناء ثقة حقيقية مع المواطن. فمنذ عام 2005، فشلت الدولة في تقديم إعلام وطني موثوق، واستشرى الفساد في مفاصلها، مما جعل المواطن يفقد إيمانه بكل ما يأتي من مصدر رسمي. حتى اللجان التي تُشكل للتحقيق في القضايا الحساسة، أصبحت مجرد ستار ورقي لا يقدم نتائج حقيقية. في ظل هذا الفشل الذريع، لم يجد المواطن أمامه إلا أن يبحث عن المعلومة ويحللها بنفسه.
في مجتمع كهذا، يصبح الهاتف الذكي أكثر من مجرد وسيلة اتصال؛ إنه يتحول إلى منبر، ووسيلة للإعلام، ومحكمة شعبية. لقد أدرك المواطن أن الأصوات الرسمية لا تخدم سوى المصالح الحزبية، وأن الأبواب مغلقة أمامه، فكان لجوءه إلى وسائل التواصل الاجتماعي ليس جهلاً أو فوضوية، بل هو فعل واعٍ لإيجاد مساحة يطرح فيها رأيه ويكشف الحقائق التي تُخفى عليه. إنها محاولة لاستعادة جزء من كرامته ووعيه الذي أهملته الدولة. إن الخوف من التغيير ليس سببه جهل المواطن، بل هو نابع من تجربة مريرة مع وعود سابقة لم تتحقق. المواطن يتخوف من أن التغيير قد يكون مجرد استبدال سلطة بأخرى دون إصلاح حقيقي، وهذا ما يضع على عاتق النخبة الحقيقية مسؤولية بناء الثقة وتقديم بديل مختلف وملموس.
لذلك، فإن الدعوات التي تظهر من وقت لآخر لسن قوانين من شأنها "تكميم الأفواه" على وسائل التواصل الاجتماعي، هي محاولة لإخفاء الأعراض بدلاً من معالجة المرض. هذه الدعوات ليست سوى تعبيراً عن الخوف من قوة الرأي العام الذي أصبح قادراً على كشف الحقائق. فالحل الحقيقي يكمن في الإصلاح الجذري لمؤسسات الدولة. يجب على الدولة أن تعمل على بناء قنوات إعلامية صادقة، وأن تحاسب الفاسدين بجدية، وأن تقدم برامج إصلاح حقيقية. عندها فقط، سيفقد الإعلام الفوضوي أهميته، وسيعود المواطن إلى الثقة بالمصادر الرسمية، وستستعيد الحقيقة مكانتها التي تليق بها.
التعليقات الأخيرة