news-details
مقالات

قراءة في المشهد الراهن

قراءة في المشهد الراهن

 
الخبير الأمني اللواء خيرت شكري.       

                              متابعة / عادل شلبي.                                                             حرب دبلوماسية إعلامية بين مصر وإسرائيل
تعيش المنطقة حالياً حالة من التوتر الواضح بين مصر وإسرائيل، ليس على مستوى الميدان العسكري المباشر، بل في ساحة الدبلوماسية والإعلام. فالمتابع للتصريحات، والتسريبات، والرسائل غير المباشرة يلاحظ أن هناك حرباً مفتوحة ولكن أدواتها ليست الصواريخ ولا الدبابات، وإنما الكلمات، والمواقف السياسية، والضغط الإعلامي.

فرغم أن بعض الأصوات قد تلوّح دوماً بخطر المواجهة بين القاهرة وتل أبيب، فإن المعطيات الواقعية تؤكد عكس ذلك لأسباب :

 1 - غياب المصلحة الإسرائيلية : فإسرائيل تعي تماماً أن فتح جبهة حرب مع مصر ليس في صالحها، خاصة في ظل انشغالها بجبهات أكثر سخونة شمالاً (لبنان وسوريا) وشرقاً (الضفة وغزة) . 
الصدام مع القاهرة سيعني دخول لاعب إقليمي كبير قادر على قلب موازين المشهد.

 2 - ثوابت السياسة المصرية : فالقاهرة، برغم صلابة موقفها السياسي والإعلامي ضد انتهاكات إسرائيل، لا تنزلق إلى خيار الحرب إلا إذا تعرض أمنها القومي لتهديد مباشر ، ومصر ليست وارد أن تكون طرفاً في حرب وكالة عن أي طرف آخر.

 3 - التوازنات الإقليمية والدولية : فالولايات المتحدة، و أوروبا، بل وحتى بعض القوى الإقليمية، لا يمكنها تحمل اندلاع مواجهة شاملة بين دولتين بحجم مصر وإسرائيل، لما لذلك من تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي والاستقرار الإقليمي.

من هنا و طالما استُبعد خيار الحرب العسكرية، فإن المواجهة تنتقل إلى مسرح آخر :

 الأول الدبلوماسية : 
فمصر تواصل تصعيد خطابها في المحافل الدولية، وتعمل على فضح ممارسات إسرائيل أمام المجتمع الدولي، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. 
فالقاهرة تملك خبرة تاريخية طويلة في إدارة الملفات الدبلوماسية، وتعرف كيف تستثمر أوراقها السياسية.

 الثاني الإعلام : 
فالإعلام الإسرائيلي يحاول تشويه الموقف المصري أو تصويره كعرقلة لمسارات التسوية أو كطرف “غير محايد”، في حين يوظّف الإعلام المصري بدوره أدواته في كشف انتهاكات إسرائيل وتعريتها أمام الرأي العام العربي والدولي.

 الثالث الملفات الإقليمية : 
هناك سباق غير معلن بين القاهرة وتل أبيب على التأثير في ملفات حساسة، من بينها القضية الفلسطينية، والحدود في غزة، وأمن البحر الأحمر، والعلاقات مع القوى الكبرى.

 - إسرائيل تعلم أن مصر هي حجر الزاوية في أي تسوية أو صراع في المنطقة، وبالتالي فإن المواجهة الإعلامية والدبلوماسية معها محاولة للضغط، لا أكثر.

 - كما أن مصر بدورها تدرك أن المواجهة العسكرية ليست الخيار الأمثل، لكنها تعرف كيف تدير معارك السياسة والإعلام لتحقيق مكاسب استراتيجية، والحفاظ على مكانتها كدولة مركزية في المنطقة.

في النهاية نحن أمام “حرب باردة” جديدة بين مصر وإسرائيل، لكن بوسائل أكثر نعومة: الدبلوماسية، الإعلام، وتحريك الملفات الإقليمية. 
الحرب العسكرية ليست مطروحة على الطاولة، لأن كلفتها باهظة على الطرفين وعلى المنطقة بأسرها. لكن هذا لا يعني أن الصراع أقل خطورة، بل ربما يكون أكثر تعقيداً، لأن معاركه لا تُحسم بضربة عسكرية، بل عبر مزيج طويل من الصراع السياسي والنفسي والإعلامي .

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا