شهداء الحقيقة: مريم أبو دقة ومعاذ أبو طه.. عندما تكذب السطور
شهداء الحقيقة: مريم أبو دقة ومعاذ أبو طه.. عندما تكذب السطور
كتبت:[ هبه هيكل]
برهان الشهادة: مشهدٌ حي في قلب الانهيار
في صباح الاثنين 25 أغسطس 2025، دخلت الزميلة الصحفية مريم أبو دقة المرحلة الأخيرة من رسالتها: نقل الحقيقة، حتى لو ارتدى القصف رداءها. في تلك اللحظة، كانت تغطي قصفًا جديدًا طال مجمع ناصر الطبي في خان يونس، المكان الذي يُفترض أن يكون ملاذًا، لكن الموت وجّه إليه بوصلته بلا رحمة .
القصف الذي استهدف المجمع الحساس، تطور إلى مجزرة عندما استهدفت طائرة مفخخة الطابق الثالث من المبنى، وما إن تجمع الصحفيون والمسعفون والمواطنون على أمل الإنقاذ، حتى تعرضوا ثانية لقصف مدمر أودى بحياتهم .
نجم الإعلام يسقط بين الأنقاض
المجلة التي وثقت بصمات صمود غزة شهدت لحظة مأساوية:
مريم أبو دقة، مراسلة وكالة أسوشيتيد برس، بشجاعتها وصوتها الحنون، ودّعت الحياة في تلك الدقائق المصيرية.
معاذ أبو طه، صحفي من شبكة NBC الأمريكية، شاركها قدر الله ونال الشهادة جنبًا إلى جنب معها.
أيضًا، حسام المصري (مصور رويترز) ومحمد سلامة (مصور الجزيرة)، فقدوا حياتهم وهم يعدّون البوصلة الحقيقية للأحداث .
في الحصيلة الأولى، ارتفع عدد الضحايا إلى 14 بينهم صحفيون ومسعفون ومنقذون، قبل أن تتطور الأرقام سريعًا .
حلمٌ لم يُسجّل: قصة الشاب أحمد
قبل رحيله الذي خطفه القصف، وثقت مريم قصة أحد الناجين: الشاب “أحمد”، الذي فقد القدرة على المشي. لم تكن طلباته سوى “فرصة للعلاج في الخارج، ليعود للعب كرة القدم”، حلمٌ بسيط ينبض بالحياة وسط دمار غزة .
كانت هذه قصته الأخيرة التي غربت معها. كان حكاية إنسان تنتظر من يهديها التحرير.
أخيرة مريم: “حين يغطي التراب أغلى ما لديك…”
لم تكن كلماتها الأخيرة مجرد جملة، بل كانت سندًا، وصدى لمعاناة لا تُرى بالعين. كتبت قبل رحيلها:
> "حين ترى التراب يغطي أغلى ما لديك، ستدرك كم هي تافهة الحياة."
كأنها كانت تصوّر مشهد روحي، مشهد الحقيقة، بحرفية الصحفية التي ترى ما لا يراها غيرها… وتعرف أن السلاح الأكثر فتكاً هو من يُخمد الأصوات.
لماذا هذه الرواية مهمة؟
الإنسان في مواجهة الموت: أبطالنا لم يكونوا جنودًا، بل خزاناً حياً للضوء وسط الخراب.
الزمن يتوقف في لحظة: عندما تقترب الكاميرا من وجه كاتبة التقرير الأخير، عندها يتوقف السطر الأخير، ويبدأ صراخ الحقيقة الصامت.
القلم ضد القذيفة: مريم وآلاف غيرها دفعوا حياتهم ثمناً لنقل ما لا يُنقل… ولكي لا تصمت السماوات ولا تنطفئ العيون.
ختاما
في تلك اللحظات، عندما ازدوج الموت والقلم في مجمع ناصر الطبي، علّمونا أن الصحافة ليست مجرد نقل للحدث، لكنها رحلة على أكتاف الموت لأجل الحياة. مريم أبو دقة ومعاذ أبو طه، وصحفيّو غزة، تركوا وراءهم ما هو أكبر من كلمات: شهادتهم التي لا تنتهي، والإيمان بأن الحقيقة لا تموت، حتى في قصفٍ يُخفي الوجوه، لكنها لا تستطع كتم نداءها.
التعليقات الأخيرة