هل بعد الديكتاتورية جُرم أعظم؟
هل بعد الديكتاتورية جُرم أعظم؟
!
د. محمد حسين
أستاذ القانون الدولي الزائر بجامعة القاهرة – فرع الخرطوم
في لقاء متلفز لقناة خليجية مع وزير الخارجية الأسبق عمرو موسى عن حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، مؤكدًا أنه "كان زعيمًا وطنيًا صاحب مشروع، لكنه ارتكب خطأ فادحًا حين حوَّل نظام الحكم إلى حكم الفرد الواحد، وضيَّع على مصر فرصة بناء نظام ديمقراطي تعددي". هذه الكلمات أعادت فتح الجدل القديم حول حقبة عبد الناصر، بين من يراها مرحلة بناء وإنجاز، ومن يصفها بعصر الديكتاتورية والاستبداد.
ولا يجادل أحد في أن عبد الناصر كان ديكتاتورًا مستبدًا، مؤيدوه قبل معارضيه. والسؤال هنا: هل هناك خطيئة وجرم أشد من الديكتاتورية والاستبداد؟
فالاستبداد مُهلك للأوطان، قاهر للشعوب، ومُذل لها. ولا تحدّثني عن "المستبد العادل"، فهذه قضية فاسدة؛ فلا عدل مع الاستبداد، لأنه فكرة شريرة في ذاتها. فأي شخص، مهما بلغ ذكاؤه وخبرته، لا يستطيع أن يُحيط بكل الأمور والتخصصات. وحتى في الأمر الواحد، لا يمكن أن تكون نظرته شاملة لكل الجوانب. فضلًا عن غياب الرقابة والمحاسبة، وتولية أهل الثقة لا أهل الكفاءة، وتزييف الإرادة الشعبية بانتخابات صورية لإضفاء شرعية زائفة على سلطته، إضافة إلى آلة إعلامية دعائية مضللة تسوّق فشله على أنه نجاح باهر.
ومن هنا جاءت النتائج الكارثية لدكتاتوريته واستبداده:
أولًا: حل الأحزاب السياسية وتحويل البلد من التعددية إلى الصوت الواحد، أي صوته ورأيه فقط، مما دمّر الحياة السياسية. مع تأميم الصحافة والإعلام وتحويلهما إلى آلة دعائية له، تصنع منه بطلًا علي غير الحقيقة .
ثانيًا: حركات التأميم ومعاداة النشاط الاقتصادي الخاص وتسليمه لرفاقه لإدارته إدارة فاشلة، فدق أول مسمار في نعش الاقتصاد المصري. كان رجلًا كارهاً للغنى والثراء، يُذكي روح العداء في المجتمع للمال والثروة، ثم يريد بناء دولة متقدمة!
ثالثًا: بحثه عن زعامة بلا أساس؛ دخل في صراعات مع أنظمة عربية عديدة، وخرج عن اللياقة السياسية ليهاجم ملوكًا ورؤساء بألفاظ نابية على شاشات التلفزيون. أضاع المخزون النقدي المصري في حرب اليمن بلا طائل، وعادى المملكة العربية السعودية دون مكسب سوى وهم الزعامة. وفي ذات الوقت، كان جيشه غارقًا في حرب اليمن بينما يتحرش بالكيان الصهيوني، فكانت النتيجة هزيمته النكراء في 1967.
سعى أيضًا للوحدة مع سوريا في تجربة إدارية فاشلة، وضحى بالسودان بلا ثمن حتى خسرته مصر للأبد.
و قدر الله له أن يموت دون شرف انتصار واحد. أما ما يُقال عن "انتصاره" في 1956، فقد هُزم عسكريًا، ولولا تدخل الاتحاد السوفيتي وعدم ممانعة الولايات المتحدة لإرسال رسالة للعالم بانتهاء زمن بريطانيا وفرنسا كقوتين عظميين، لما كان هناك أي مكسب سياسي. كان ذلك محض مصادفة، لا ثمرة حساباته.
التعليقات الأخيرة