الزواج بين الشرع والواقع.. حين تتحول النصيحة إلى باب فتنة
الزواج بين الشرع والواقع.. حين تتحول النصيحة إلى باب فتنة
بقلم : حسام النوام
في زمنٍ تزدحم فيه مواقع التواصل الاجتماعي بالشعارات الرنانة والنصائح السطحية، يخرج علينا البعض بعبارات ظاهرها الحكمة وباطنها التسويف والانحراف، من قبيل:
"اتجوز لما تلاقي الشخص الصح، مش لما تلاقي الناس كلها اتجوزت.. الزواج مش سباق، ده ميثاق.. مش مهم تتجوز إمتى، المهم تتجوز مين."
عبارة قد تبدو في ظاهرها معبرة، لكنها إذا فُهمت بعيدًا عن إطار الشرع تتحول إلى قنبلة موقوتة، لأنها تتجاهل حقيقة أن الزواج في الإسلام عبادة ووقاية قبل أن يكون رفاهية أو اختيارًا نفسيًا.
الزواج عبادة قبل أن يكون قرارًا اجتماعيًا
الزواج في الإسلام ليس سباقًا اجتماعيًا، لكنه أيضًا ليس رفاهية مؤجلة. بل هو عبادة، وحصن يحفظ النفس والدين، قال النبي ﷺ:
"يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج." [متفق عليه]
فالمسألة هنا لا تتعلق بمطاردة "المثالية"، بل بالمسارعة إلى طاعة الله وغلق أبواب الفتنة. التأجيل غير المبرر قد يُدخل الشباب في دوامة انحراف، خصوصًا في زمن تُغري فيه الشهوات وتُفتح فيه أبواب الفساد على مصراعيها.
معيار "الشخص الصح" في الإسلام
كثير من الشباب اليوم يفهم "الشخص الصح" على أنه المثالية المطلقة: الجمال الكامل، الثراء، المواصفات الحلمية. بينما الإسلام وضع المعيار بشكل واضح وبسيط: الدين والخلق.
قال ﷺ: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض." [الترمذي]
إذن، الانتظار المبالغ فيه ليس من الحكمة في شيء، بل قد يكون فتنة في ذاته.
العلاقات البريئة.. وهم خطير
النصيحة التي تقول: "وتجنب أي علاقة خارج الإطار الشرعي مهما بدت بريئة لأن اللي بدايته غلط نهايته وجع"، صحيحة في ظاهرها، لكنها تترك ثغرة خطيرة، وكأن هناك احتمال لعلاقات "بريئة" يمكن قبولها.
بينما الإسلام كان قاطعًا:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32].
فالقاعدة الشرعية ليست "تجنب ما ينتهي بوجع"، بل "لا تقترب أصلًا مما يفتح باب الحرام".
الإعلام.. تحريض مقنّع ضد الزواج الشرعي
لا يمكن إغفال الدور الذي يلعبه الإعلام في ترسيخ هذه المفاهيم المغلوطة. بعض البرامج التلفزيونية وصفحات التواصل الاجتماعي تقدم رسائل خادعة تحت ستار الحرية:
"الزواج مسؤولية ثقيلة.. خليك عايش حياتك الأول."
"الارتباط المبكر فشل مؤكد.. جرب لحد ما تلاقي الصح."
"العلاقات العاطفية جزء من الحرية الشخصية."
أمثلة صارخة
بعض البرامج الحوارية تستضيف فنانين يتفاخرون بتأخر زواجهم أو بتجاربهم العاطفية خارج الإطار الشرعي، ويُقدَّمون قدوة للشباب!
مسلسلات شبابية تُظهر العلاقات المحرمة على أنها طبيعية، بينما يُصور الملتزم بدينه وكأنه رجعي أو معقد.
منصات التواصل تمتلئ بمؤثرين يربطون الزواج بالفشل، بينما يلمعون العلاقات المفتوحة تحت عنوان "التجربة".
النتيجة
هذه الرسائل المضللة صنعت جيلًا ينظر للزواج على أنه عبء، وللعلاقات المحرمة على أنها حرية. فتحولت المجتمعات إلى ساحة:
عزوف عن الزواج.
ارتفاع في نسب العلاقات غير الشرعية.
تفكك أسري وتهديد مباشر لبنية المجتمع.
وفي النهاية الزواج ليس سباقًا اجتماعيًا، نعم.. لكنه أيضًا ليس انتظارًا طويلًا بحجة المثالية. هو ميثاق غليظ شرعه الله لحفظ الدين والنفس والمجتمع.
والمعيار الحقيقي لشريك الحياة بيّنه الإسلام: الدين والخلق.
إن أخطر ما يواجهنا اليوم هو تزيين التسويف وتحويل العلاقات المحرمة إلى "حرية". لذلك وجب التذكير بكلام النبي ﷺ:
"تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة."
فالزواج عبادة، والمسارعة إليه طاعة، وتأخيره بلا عذر شرعي ما هو إلا فتنة وفساد.
التعليقات الأخيرة