news-details
مقالات

بقلم نشوة أبوالوفا  سمرا الجزء الأول((سمرا))

بقلم نشوة أبوالوفا 
سمرا الجزء الأول((سمرا))

سليمان المنوفي قَدِمَ من بلدته الصغيرة في المنوفية لقاهرة المعز، حاملًا معه ما كسبه من بيع إرثه من والده حسن المنوفي، قيراطان زراعيان دخلا كردون المباني فباعهما ولم يقترب من ذلك الفدان الذي يعد من أجود الأراضي، ويقع بجوار أرض العمدة جاد ياسين، در القيراطان على سليمان مبلغًا كبيرًا جدًا وقتها.
 ترك سليمان المنوفية ونزح للقاهرة بحثًا عن الإنجاب فبعد مرور فترة خمسة سنوات على عدم انجابه من زوجته سكينة كان حلم حياته أن يكون له نسل من حبيبته، فأشار عليهما العمدة جاد الذي كان صديقًا لسليمان بالنزول للقاهرة فمجال الطب هناك أوسع وأرحب. 
ما كان سليمان ليترك بابًا إلا وطرقه فهو يتوق للإنجاب من سكينة، ولم يستمع أبدًا لمن قال له اتركها وتزوج غيرها، كان يحبها جدًا وعندما نزل القاهرة ووجد أن طريق العلاج سيطول فضل المكوث في القاهرة؛ اشترى منزلًا بأسفله دكان واتخذ من المنزل سكنًا وافتتح في الدكان بقالة لخدمة المنطقة.
المنزل كان منزلًا قديمًا يتكون من بدروم، ودكان، ودور أول به شقة كبيرة، ودور ثاني والسطوح، سكن في البدروم هريدي الصعيدي الذي كان يعمل بالمعمار وزوجته هنية وأولادهما، وسكن سليمان وسكينة بالدور الأول، والدور الثاني سكن به سالم المنجد ونعمات الدلالة زوجته وولدها صلاح، أما السطوح فكان به غرفة للشيخ مغاوري، والباقي تربى فيه الطيور.
بعد معاناة طويلة كتب الله لسكينة الإنجاب، ورزقه الله بفتاة أسماها سمرا، كانت فرحته شديدة بمقدمها.
 وكانت سمرا اسمًا على مسمى، فتاة سمراء البشرة جدًا، ورثت عن والدها سماره وعن والدتها دمها الخفيف.
لم تسلم سمرا من ألسنة الناس منذ كانت في مهدها، مع أن ملامح سمرا كانت جميلة ومريحة ومن يراها تدخل قلبه من أول وهلة إلا أنهم كانوا يعيرونها بلون بشرتها، عاشت سمرا في كنف والديها المحبين لها أيما محبه، لم يدخر سليمان جهدًا أبدًا في تلبية مطالب زوجته وابنته، وكان دائم الزيارة للعمدة جاد صديقه العزيز لكن سكينة وسمرا لم تكونا تذهبان معه، فسكينة تعلقت بصخب القاهرة وبنعمات، تقريبًا لم تكونا لتفترقا أصبحتا صديقتين عزيزتين جدًا ومقربتين من بعضهما. 
مرت الأيام عادية...
 عندما بلغت سمرا السادسة توفى سالم المنجد وبقيت نعمات وحيدة مع ابنها صلاح الذي كانت سمرا تمقته بشدة، فصلاح كان دائمًا ما يضايقها ويعيرها بسمارها، لم يكن يناديها إلا بالسوداء ودائمًا ما كان يعترض طريقها عند صعودها لإطعام الطيور وكان سليمان يؤنبه على ذلك بينما يدعي صلاح البراءة.
  نعمات كانت ملازمة لسكينه دائمًا، تأخذ جولة على المنطقة للدلالة ثم تُرابض في منزل سليمان ولا تغادره إلا على موعد النوم، وفي كثير من الأحيان كانت تتناول الطعام معهم، فهي على حد قولها لا تحب تناول الطعام مع ابنها وحيدين.
لم تكن سمرا ترتاح لها أبدًا وسكينة دائمًا ما كانت تؤنبنها على ذلك 
- يا ابنتي إنها سيدة طيبة.
- يا أمي لا أحبها.
- لا يهم، المهم أن تعامليها هي وابنها معاملة طيبة.
 بعد مدة بدأت سكينة تمرض، وتخور قواها من أي مجهود فلازمتها نعمات أكثر وأكثر حتى أن سليمان طلب منها أن تتوقف عن الدلالة وسيعطيها هو ما يكفيها لكي تظل مع سكينة لتعتني بها.
  أيام تمضي وأوقات تمر...
وسكينة يشتد عليها المرض، لم يقصر سليمان معها أبدًا وكيف يقصر معها وهي حبة العين ورفيقة الدرب وهي التي لم يهوى قلبه سواها، ذهب بها لكل الأطباء لم يعرف أحد علتها، قال بعضهم إجهاد، والبعض قال ربما ميكروب بالمعدة، وتعددت الآراء حتى أقسمت سكينة أنها لن تذهب لطبيب آخر أبدًا، فالشافي هو الله وإن كان أمر الله وقدرها أن تموت فهي لا تريد الموت إلا على فراشها في منزلها بجوار أحبائها، زاد الوهن على سكينة إلى أن توفت. 
كان يومًا كئيبًا....
 كانت سمرا بالمدرسة، فسكينة كانت تصر على تعليمها، خاصة أن سمرا كانت متفوقة وكان هذا الشيء الوحيد الذي لم تكن سكينة تستمع لنعمات فيه، كان رأي نعمات أن تجلس سمرا بالمنزل فلا تعليم للبنات فمصيرها بيت زوجها، أما سكينة فكانت ترى أن ابنتها سمرا ستكون طبيبة مشهورة. 
كانت سمرا بالصف الثالث الاعدادي، كان آخر يوم لها بالمدرسة عادت سعيدة، فلقد أجابت إجابات ممتازة في الإمتحان، طرقت الباب ليأتيها صوت نعمات من الداخل 
- صبرًا يا من على الباب، أأجلس أنا وراءه ما بك؟ 
- لا تؤاخذيني خالة نعمات فأنا سعيدة، الامتحان كان سهلًا وأجبت إجابات كاملة ولم أترك ولا سؤالًا واحدًا.
قالت بحسرة ولكنها تظهر الفرح: وفقك الله يا ابنتي، ابلغي والدتك، عل قلبها يفرح بك.
دخلت سمرا لغرفة والدتها لتبلغها، وجدتها كالعادة ممدة في فراشها، اقتربت سمرا منها: أمي، لقد أنهيت الامتحانات أخيرًا، وكان الامتحان سهلًا.
لم تجد ردًا، حاولت إيقاظها ولا مجيب، وجدت كفة يديها التي تحتضنها باردة جدًا وكذلك جسدها، علمت سمرا أنها قد توفت لكنها أبت أن تصدق ذلك ظلت ممسكة بيد والدتها وتنادي بهدوء: أمي، استيقظي، الامتحان انتهى، أمي لقد أبليت حسنًا.
أخذت تكررها في غير وعي، دخلت نعمات، وما أن نظرت لسكينه وسمرا حتى أخذت تولول وتصرخ وصوتها يعلو إلى أن التم الجيران، وصعد سليمان، وسمرا ما زالت على حالها ممسكة بكف والدتها وصامتة احتضنها والدها وأبعدها عن جسد سكينة المسجى وأخرجها من الغرفة، لتباشر النسوة عملهم لتجهيز سكينة للدفن.
 أخذت نعمات سمرا من يد والدها: وهل ستجلس معك في عزاء الرجال؟ مكانها هنا مع النساء.
دُفنت سكينة، وسمرا على حالها شاردة في دنيا غير الدنيا، لم تستوعب شيئًا لم تبكي، لم تصرخ، الكل حولها لكنها تحس أنها وحيدة، تريد حضن أمها، إنه ذلك المكان حيث تنتمي حيث تشعر بالحياة، وقفت من جلستها وسط النسوة 
- إلى أين؟ هل أحضر لك شيئًا؟
قالتها نعمات
 لكن سمرا لم تكن تسمعها سارت لغرفة أمها منعتها نعمات من الدخول، قاومتها سمرا، صرخت نعمات، جاءت النسوة، أمسكن سمرا، تعبت سمرا من مقاومتهن ثم صرخت، صرخت بكل ما أوتيت من قوة: أُماه، أُماه، انجديني، أين أنتِ؟ 
وأخذت تصرخ وتصرخ، ضمتها نعمات بقوة إلى صدرها 
- ابكي بنيتي، أخرجي ما بقلبك يا صغيرة.
ظلت سمرا تصرخ حتى فقدت وعيها، حملتها النسوة لغرفتها، أفاقت واستمرت بالصراخ، أرسلوا في طلب طبيب، جاء الطبيب أعطاها حقنة مهدئة، فصمتت وراحت في نوم عميق، فتركنها في غرفتها.
أنهى سليمان مراسم تلقي العزاء وصعد مع صلاح لتخبره نعمات بحال سمرا وأنها في غرفتها قائلة:
- قلبي يتمزق على هذه الصغيرة، لقد ظلت تبكِي وتصرخ حتى فقدت وعيها، إنها نائمة الآن يا حاج سليمان، لو احتجتم أي شيء فقط نادوا علينا، نحن أهل، سأنزل في الصباح الباكر.
دخل سليمان شقته، أغلق بابه، يا الله لكم تبدو الشقة موحشة بدون أنفاس سكينة، دخل غرفته وتحسس موضع نومها، آه يا سكينة القلب والروح رحلت وتركتني في الدنيا وحيدًا بدون رفقتك، بدون بسمتك، كان يكفيني أنفاسك التي تتردد في المنزل حتى لو كنتِ لا تقوين على الحركة.
 ترك سليمان الغرفة، لم يحتمل أن ينام فيها وسكينة لا تؤنسه على سريره، دخل لغرفة ابنته ليطمئن عليها، وجدها تنام في هدوء، فأغلق باب الغرفة وجلس على الأريكة بالصالة يقرأ القرآن على روح فقيدته الغالية حتى غلبه النعاس.
في الصباح جاءت نعمات وولدها وبدأ المعزون في الوصول، استيقظت سمرا، جلست على سريرها، أخذت تتذكر ما حدث، ودموعها تنهمر انهمارًا، دخلت نعمات احتضنتها قائلة: نحن بجوارك يا سمرا، لا تحملي هما يا صغيرتي.
مرت أيام العزاء ونعمات لا تفارق سمرا إلا على النوم، فجموع المعزين تتوافد على المنزل، ونعمات تعرف كل شيء، فالمنزل في إدارتها منذ فترة طويلة وهي من كانت تعتني به، انشغل سليمان في دكانه وكان يترك سمرا مع نعمات.
جاءه الشيخ مغاوري: كيف حالك يا سليمان؟
- نحمد الله يا شيخنا.
- هل يعجبك حالك يا سليمان؟ 
- وما به حالي يا شيخ؟ 
- أنا أراك لا ترتاح منذ موت زوجتك، إنك حتى لا تغلق الدكان لفترة الغداء وتنام قليلًا أمامه على الأريكة.
- أنا لا أريد الصعود للأعلى، فنعمات تجلس مع سمرا، ولا أريد أن أبعدها عنها، الفتاه تفتقد أمها كثيرًا، ونعمات تعوضها، ولا يصح أن أصعد ونعمات بالأعلى، فأنتظر صلاح لينهي عمله بالورشة ونصعد سويًا.
 - من أجل هذا أتحدث، نعمات هي من تُدير أمور المنزل منذ أن مرضت المرحومة سكينة،  وسمرا تدرس، من سيعتني بكما الآن؟  وكما قلت أنت لا يصح أن تجتمع ونعمات في مكان واحد.
- إلام ترمي يا شيخنا؟ أفصح.
- أنت تعرف إلام أرمي يا سليمان.
- ولكن يا شيخنا.
- يا سليمان أنت لا ترضى أن يلوك الناس سيرة نعمات، وهي لم تفعل لكم سوى كل خير، ولقد تحملت زوجتك في مرضها، واعتنت بها، أيكون جزاؤها أن يلوك سيرتها هذا أو ذاك، هل ترضى بهذا يا سليمان؟
- لا والله يا شيخنا، لا أرضاها لها أبدًا، ولكن.
- ليس فيها من لكن يا سليمان، اعقد على نعمات، فتصون سيرتها، وتجزؤها خيرًا على صنيعها معك ومع ابنتك، وترتاح أنت، ستصعد منزلك كيفما أردت، ولا تحرم ابنتك من حضن نعمات، وصلاح يعمل طوال النهار في الورشة ولا يصعد إلا على النوم يده بيدك ينزل معك ويصعد معك فلا خوف منه على ابنتك.
- وهل ستتقبل سمرا هذا؟ 
- يا ولدي لم يبق لسمرا من حضن يحتويها سوى نعمات، وسأحدثها أنا في هذا الشأن وهي تستمع لكلامي.
- حسنًا شيخنا، كما تري.
أخذ الشيخ على عاتقه مهمه جمع شمل نعمات وسليمان، حدث سمرا في الأمر وأقنعها به وحدث صلاح ونعمات، وتم العقد في هدوء وأصبحت نعمات هي سيدة المنزل.
نُقل سرير سكينة لغرفة سمرا فلم يكن سليمان ليقبل أن تنام امرأة أخرى على فراش سكينته، وأحضر سريرًا جديدًا لنعمات.
بعد اختلاء سليمان بنعمات في غرفتهما نام سليمان مباشره ولم يقربها، كان يتعامل معها كما كان في حياة سكينة لم يزد شيئًا إلا أنها تنام بجواره ليلًا، وفي معظم الأحيان كان يترك لها السرير وينام على الأريكة أو يفترش الأرض، لم يكن ليقرب أنثى أبدًا بعد سكينة.
مرت أيام سمرائنا 
ألمحت نعمات لسليمان أنها تريد تزويج سمرا لصلاح لكنه رفض قائلًا:
- سمرا ستكمل تعليمها لتصير طبيبة بإذن الله كما كانت تريد سكينة.
- ولكن...
- لا لكن يا نعمات، هذا موضوع غير قابل للنقاش.
ظل سليمان على حاله لا يقرب نعمات، مع أن نعمات لم تكن تدخر جهدًا لتقربه منها وتغويه، لكنه كان كالصخر الجلمود، لم تكن مشاعره تتحرك ناحيتها أبدًا. 
بدأ المرض يتملك سليمان، أعراض كتلك التي انتابت سكينة قبل موتها، بدأ في الهزال وفقد قوته، كانت سمرا حزينة على والدها وتخشى فقده هو الآخر، ونعمات تعاملها بكل رقة ولين، ولا تدعها تحمل الياسمينة كما يقال 
- ذاكري فقط، ادرسي لتصيري طبيبة وتحققي حلم والدتك ووالدك.
- فليبارك الله فيكِ خالتي نعمات، لا أدري كيف كانت حياتنا ستسير بدون وجودك.
 ازداد مرض سليمان وفقد مقدرة الوقوف على قدميه ورقد في المنزل، كما رقدت زوجته من قبله.
استيقظت سمرا على صراخ وولولة نعمات لتخرج من غرفتها مسرعة لتجد نعمات وصلاح بجوار والدها ويغطي وجه والدها، تسمرت سمرا في مكانها ووضعت يديها على فمها مانعة نفسها من الصراخ وأخذت تهز رأسها يمنة ويسرة في عدم تصديق لما تراه.
 لقد فقدته، مات سليمان، مات سندها، جلست في مكانها تبكي، حملتها النسوة لغرفتها وتركوها هناك وحيدة كما ستكون في أيامها المقبلة.
#نشوة_أبوالوفا
#nashwa_aboalwafa

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا