ذكريات لا تموت
ذكريات لا تموت
بقلم دكتورة إيمان فوزي مكاوي
قد نظن أن الأشياء التي تثير فينا بهجة مفاجئة أو انفعالًا داخليًا عميقًا هي بالضرورة أشياء تؤثر فينا لذاتها. غير أن الحقيقة أكثر عمقًا؛ فنحن في أحيان كثيرة لا نتأثر بالشيء نفسه، بل بما يوقظه في أعماقنا من خيوط ذاكرة بعيدة. الذكرى هي التي تمنح الأشياء بريقها، وهي التي تكسوها بطاقة وجدانية تتجاوز طعمها أو شكلها أو قيمتها المادية. تلك السيدة التي بلغت الستين، تقف أمام المخبز وقد ارتسمت على وجهها ملامح دهشة طفولية حين تقع عيناها على "المحوجة" أو ما كانت تسميه قديمًا "اللقمة الخضراء". لم تكن تحبها في طفولتها، بل كانت ترفضها تمامًا. ومع ذلك، كلما لمحَتْها، انتعش في داخلها دفء خفي، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ممزوجة بالانبهار: "الله… لقمة خضراء!" وليس لأنها تحبها، بل لأنها تتذكر أن والدها كان يعشقها، فيعود طيفه حاضرًا معها في لحظة عابرة. ومثلها، هناك تلك السيدة التي اقتربت من الخمسين، تبتسم حين ترى حلاوة المولد التي كانت تُباع قديمًا بلا غلاف، مترصّة جنبًا إلى جنب في واجهات الدكاكين. لم تكن تقبل عليها في صباها، لكن أباها كان يحضرها لهم في ذلك الوقت، فظلت صورتها محفورة في وجدانها. واليوم، رغم أنها أصبحت تستسيغها وتأكلها، إلا أنها تظل تتمنى لو كانت كما عرفتها أول مرة: بسيطة، بلا غلاف. وهي تدرك أن شكلها الحالي أنظف وأجود، لكن قلبها يظل مشدودًا إلى صورتها الأولى، لأنها تعيد إليها ذكرى أبيها وأمها ودفء البيت الذي جمعهم. إننا إذن لا نحب الأشياء دائمًا لذاتها، بل لما تعكسه فينا من حكايات ووجوه وأصوات. قد يبهجنا عطر لم نكن نفضّله، لأنه يعيد إلينا لحظة حب أو حضن أم. وقد تدمع أعيننا أمام أغنية لم نكن نستمع إليها، لأنها تستحضر شخصًا رحل. والأمر لا يقتصر على البهجة وحدها، فالعكس قد يكون صحيحًا أيضًا؛ فقد نمشي في مكان بديع، راقٍ وجميل، لكنه ارتبط في وجداننا بخلافات عائلية أو أحداث موجعة، فنشعر بألم خفيّ وكأن الرياح تهبّ على جرح عارٍ. عندها يتحوّل الجمال من حولنا إلى مرآة لشجن دفين، ويصير المكان — رغم روعة صورته — مصدرًا لوخز داخلي لا يزول. إنها أشياء صغيرة قد تضحكنا أحيانًا وتبكينا أحيانًا أخرى، لكنها في النهاية تذكّرنا أن الحياة لا تُختزل في لون واحد، بل هي مزيج دائم من الفرح والحزن، من البهجة والشجن، نعيشه ونحمله في قلوبنا ما حيينا.
التعليقات الأخيرة