العشيرة العراقية: أصالة العقال بين مطرقة القيم وسندان السياسة
العشيرة العراقية: أصالة العقال بين مطرقة القيم وسندان السياسة
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
لم يكن "العقال" في العراق، بعد عام 2003، مجرد رمز للحكمة والوقار، بل تحوّل إلى ساحة يتصارع فيها النفوذ السياسيّ، فامتدت أيادي الأحزاب لتلوث هذا الرمز العريق. لم يسلم شيوخ العشائر الأصيلون من محاولات التسييس، حتى أولئك الذين رفضوا الانخراط في المعترك الحزبيّ، وجدوا أنفسهم محاصرين بين رغبتهم في الحفاظ على القيم العشائرية وموجات الفساد التي حاولت جرّهم إلى وحل المصالح.
في ظل انقسام المجتمع على أسس طائفية ومذهبية، حافظت العشائر الأصيلة على دورها كنسيج يجمع الأطياف. لقد بقيت الألقاب العشائرية في وجدان شيوخها الأصيلين مجرد صفة تعريفية، وليست أداة للفرقة والانقسام. فهؤلاء الشيوخ يدركون أن الهوية العشائرية لا يجب أن تكون بديلاً عن الهوية الوطنية، بل جزءاً مكملاً لها. إنهم يعملون بصمت، بعيداً عن أضواء السياسة، لإعادة اللحمة الاجتماعية وترسيخ قيم التسامح والتعايش، في محاولة جادة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
لقد أثبتت بعض العشائر أنها صمام أمان حقيقيّ للمجتمع، لا من خلال الدخول في صراعات سياسية، بل عبر رفضها أن تكون وقوداً لتلك الصراعات. لقد سعى الشيوخ الحكماء إلى تحصين عشائرهم من التدخلات الحزبية، ورفضوا أن تكون قضاياهم الاجتماعية وسيلة لتصفية حسابات السياسيين. إنهم يدركون أن دور العشيرة يكمن في حل المشاكل الداخلية، ودعم القانون والقضاء، لا في أن تكون بديلاً عنهما.
لقد حاول البعض أن يحوّل ثقل العشيرة إلى مجرد دعاية انتخابية أو خزان بشريّ للأصوات، لكن شيوخها الأصيلين أدركوا أن هذا الدور يقلل من مكانتها ويشوّه سمعتها. إنهم يعلمون أن دور العشيرة الحقيقيّ ليس في جمع الأصوات، بل في تربية الأجيال على القيم والمبادئ، وفي الوقوف إلى جانب الحق والعدالة. إنهم يرفضون بيع أصالتهم مقابل المناصب أو الأموال، ويعملون على إعادة الاعتبار لدور العشيرة ككيان اجتماعي يُعتمد عليه في بناء الدولة، لا في تدميرها. هؤلاء الشيوخ الأصيلون هم من يستحقون التقدير، لأنهم لم يرضخوا لإغراءات السياسة، بل فضلوا الحفاظ على نقاء "العقال" وهيبة العشيرة.
التعليقات الأخيرة