news-details
مقالات

مصر تتحدى عطش العالم.. رؤية استباقية تحمي الأجيال القادمة

مصر تتحدى عطش العالم.. رؤية استباقية تحمي الأجيال القادمة

 

بقلم : حسام النوام 

 

في الوقت الذي ما زالت فيه دول كبرى تعاني من تبعات التغيرات المناخية وظواهر الجفاف القاسية، كانت مصر تتحرك بخطوات استباقية مدروسة لتأمين حاضرها ومستقبلها المائي.

 

التقارير الحديثة الصادرة عن المرصد الأوروبي للمناخ عبر أقمار الاستشعار الصناعي، كشفت أن أوروبا منذ عام 2015 تواجه موجات متتالية من الجفاف الحاد، التهمت ما بين 20% إلى 50% من الأراضي الزراعية في دول أوروبا الشرقية، بينما تعاني دول أوروبا الغربية مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا من أزمات مائية غير مسبوقة، وصلت إلى حد نزوح بعض المجتمعات من مناطق في النرويج بسبب اختفاء المياه.

 

ومع عجز الدول هناك عن إيجاد حلول جذرية، لجأت بعض الحكومات إلى استخدام تقنيات القصف الكهرومغناطيسي لسرقة السحب من دول الجوار، في محاولة يائسة لزيادة معدلات سقوط الأمطار، إلا أن النتائج لم تكن كافية ولا مستدامة.

 

مصر.. تخطيط بالأفعال لا بالأقوال

 

في المقابل، تحركت مصر منذ سنوات طويلة برؤية واضحة، مدركة أن التغير المناخي سيكون التحدي الأكبر للأمن المائي والغذائي عالميًا. فرغم الأعباء الاقتصادية الضخمة، استثمرت الدولة مليارات الجنيهات في مشروعات استراتيجية لإنقاذ المستقبل.

 

دشّنت مصر محطة بحر البقر لمعالجة مياه الصرف الزراعي، الأكبر من نوعها على مستوى العالم، والتي دخلت موسوعة غينيس للأرقام القياسية. مشروع اعتبره البعض في بداياته “ترفًا”، لكنه اليوم يشكل صمام أمان للأمن المائي.

 

حفرت الدولة أكثر من 850 بئرًا عميقًا في الصحراء لاستغلال المخزون الجوفي.

 

شرعت في إنشاء محطات تحلية مياه البحر على سواحلها الشمالية والشرقية والغربية، بدءًا من الساحل الشمالي مرورًا بسيناء ووصولًا إلى جبال البحر الأحمر.

 

وضعت خطة طموحة للوصول إلى إنتاج 35 مليون متر مكعب من المياه المحلاة يوميًا، أي ما يزيد على ثلث إنتاج العالم من المياه المحلاة، في وقت لا يتجاوز الإنتاج العالمي حاليًا 90 مليون متر مكعب يوميًا. ومع إنشاء مصنع محلي لتصنيع مكونات التحلية، تسير مصر نحو أن تصبح الدولة الأولى عالميًا في هذا المجال.

 

أوروبا.. أزمات متلاحقة

 

في الوقت الذي استعدت فيه مصر، واجهت أوروبا أزمات متلاحقة. فالإغلاق الطويل لجائحة كورونا ثم حرب أوكرانيا استنزفت الموازنات، ودفعت بعض الدول مثل ألمانيا للاقتراض بمعدلات قياسية وصلت هذا العام إلى 140 مليار يورو لسد عجز الموازنة. أما بريطانيا، فقد شهدت هجرة غير مسبوقة للمليونيرات، حيث غادر نحو 16,500 مليونير خلال عام واحد فقط، ناقلين استثماراتهم إلى الشرق الأوسط، ومن بينها مصر.

 

المياه.. سلاح استراتيجي لمصر في القرن الجديد

 

المياه لم تعد مجرد مصدر للحياة والزراعة، بل أصبحت ورقة ضغط سياسية واستراتيجية لا تقل أهمية عن النفط والغاز. العالم يتجه نحو ندرة غير مسبوقة في الموارد الطبيعية، ومع تفاقم التغير المناخي، تتجه العديد من الدول الكبرى لمواجهة أزمات غذاء ومياه تهدد استقرارها السياسي والاجتماعي.

 

في هذا السياق، يظهر الدور المصري بوضوح؛ فالدولة التي استثمرت مبكرًا في البنية التحتية المائية وضعت نفسها على خريطة القوى العالمية الجديدة، ليس فقط باعتبارها دولة قادرة على حماية أمنها الداخلي، بل كقوة قادرة على تصدير التكنولوجيا والخبرة المائية إلى محيطها الإقليمي.

 

ومع انتقال رؤوس الأموال من الغرب إلى الشرق الأوسط، يجد المستثمرون في مصر بيئة خصبة، ليس فقط بسبب الاستقرار السياسي والموقع الجغرافي الفريد، وإنما أيضًا بسبب امتلاكها أحد أعظم مشروعات الأمن المائي في العالم. وبذلك تتحول المياه إلى قوة ناعمة صلبة، تمنح القاهرة نفوذًا سياسيًا مضاعفًا في ملفات إقليمية ودولية حساسة.

 

مصر تصنع المستقبل

 

إن ما فعلته مصر لم يكن مجرد مشروعات هندسية، بل كان بناء درع حضاري واقتصادي يحمي أجيالًا قادمة من كوارث ستعصف بكثير من الدول، ويعيد صياغة موازين القوى في القرن الحادي والعشرين. وبينما يترنح العالم أمام تحديات العطش والجوع، تؤكد مصر أنها لم تقصّر في حق أبنائها، وأنها تصنع مستقبلًا يليق بمكانتها وتاريخها.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا