ذاكرة من الماضي (من سلسلة: تشعّبات الذاكرة)
ذاكرة من الماضي
(من سلسلة: تشعّبات الذاكرة)
على مرّ الزمن تظهر مهن
حسب الحاجة، ثم تضمحل أخرى فيصبح عمالها في بطالة وعوز .
أذكر في خمسينيات القرن الماضي، كان الناس يعيشون بما تيسّر، يكتفون بالقليل، وبعضهم بلا طموح. لم تكن البنى التحتية معروفة كما اليوم خاصة في القرى النائية . كانوا يستجرّون المياه عبر الأقنية من الانهار و اليانبيع والبرك ، أمّا المياه المبتذلة فمصيرها إلى "الجور الصحية" التي تُحفَر قرب المنازل، لكن بعيدًا عنها حتى لا تنتشر الروائح الكريهة .
السؤال يطرح نفسه :
كيف يعرف السكان أن الجورة امتلأت؟
الجواب يأتي من المياه السوداء التي تتسرّب من حيطان الحقل مع روائح خانقة. عندها يلزم تنظيفها، لكن من يقوم بالمهمة؟
في المدينة، كان هناك مقهى ، يجتمع فيه العمال العاطلون عن العمل. من يحتاج إلى عامل يتوجّه إلى هناك، فيستأجر من يرغب. ومن بينهم عمال تنظيف الجور الصحية .
كانت عدّة العامل بسيطة
• سطل من الحديد الصدئ
• عصا في طرفها حديدة مبرومة يسحب بها السطل المملوءوما يُستخرج من الجورة يُنقل إلى حفرة جديدة يُحفرها العامل بجانبها.
• بعد الانتهاء، يقفل الجورة الفارغة، واضعاً أغصانًا فوق الحفرة المستحدثة حتى لا يقع فيها أحد. لكن الروائح الكريهة تبقى عالقة حتى تجف الجورة بتسرب السوائل منها إلى الأرض .
"في الماضي لم يكن الناس يدركون خطر تلوث التربة والمياه الجوفية... ومع الزمن، ومع ظهور المجارير، اندثرت هذه المهنة مثل غيرها من المهن التي لم يعد لها وجود."
نستنج
إن ذاكرة من الماضي تعكس كيف عاش الناس بوسائل بدائية، وكيف كانت مهن صعبة تفرضها الحاجة، ثم تختفي مع التطور. لكل زمن خصوصيته، ولكل مجتمع مهنه التي تحفظ بقاءه، حتى لو اندثرت لاحقًا من قاموس الحياة .
ملفينا توفيق أبومراد
عضو اتحاد الكتاب اللبنانين
لبنان
2025/9/9
التعليقات الأخيرة