news-details
مقالات

العدالة في متاهة البيروقراطية: نداء إلى ضمير الدولة

العدالة في متاهة البيروقراطية: نداء إلى ضمير الدولة


بقلم عدنان صگر الخليفه 
9/ايلول/2025

إن اسم "وزارة العدل" يحمل في طياته أسمى معاني الحق والإنصاف، فهو عنوان لمؤسسة من المفترض أن تكون الملاذ الآمن للمواطنين الباحثين عن حقوقهم. لكن الواقع يفرغ هذا الاسم من معناه، ليصبح مجرد لافتة لمتاهة تستنزف المواطن وكرامته. هذا الخلل يتجسد في عقلية ترى في المواطن خصماً لا شخصاً يجب خدمته.
ومثالنا على ذلك قصة المواطن الذي يراجع منذ 22 عامًا لا من أجل قطعة أرض، بل لاستخدام وجود اسمه ضمن قرار 117 الصادر عام 2000 كدليل على خدمته في الجيش السابق. لقد انطلق في رحلته من دائرة "شؤون المحاربين" التي وجهته بكتاب رسمي إلى وزارة العدل، وتحديدًا إلى دائرة التسجيل العقاري، لإثبات وجود اسمه ضمن هذا القرار. لكنه قوبل هناك بقسوة شديدة، فكان التعامل بعلو واستخفاف، وكأن المواطن عبد يساق بالصوت.
لم يتوقف الأمر هنا، فعندما عاد إلى دائرة المحاربين زودوه بكتاب آخر، وعندما عاد إلى وزارة العدل رفضوا الكتاب بحجة أن "الاسم الرباعي" غير مدون فيه، وكأن الكتاب لم يأتِ من مؤسسة رسمية بل من بيت المواطن. هذا المعيار المزدوج يبعث رسالة مؤلمة للمواطن بأن الدولة تختار أن تكون فاعلة فقط عندما يتعلق الأمر بإلحاق الأذى، وتصبح عاجزة عند تحقيق العدل.
إن هذه التجربة ليست فردية، بل هي معاناة لآلاف المنتسبين السابقين في الجيش العراقي الذين لا يزالون يبحثون عن حقوقهم منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا في عام 2025. إن الأغلبية العظمى لم تنل حقوقها بعد، وهذا يشير إلى قسوة النظام الحالي الذي يتعامل مع الجيش السابق كأنه جيش نظام وليس جيش دولة، ويظهر حقداً دفيناً على منتسبيه بعدم إعطائهم حقوقهم نهائياً. لقد أوجد هذا النظام الجديد مديرية شؤون المحاربين للإعلام فقط، وليس لإعطاء الحقوق، فهي تتسلط على رقاب المنتسبين بقرارات لا يقبل بها الله ولا أي مواطن عاقل، حتى أن المواطن الذي يراجع منذ 22 عامًا يظل يأمل في الحصول على مبلغ زهيد، دون جدوى.
إن التغيير لا يبدأ بقوانين جديدة، بل برؤية جديدة. لذا، نتوجه بهذا النقد إلى المسؤولين في وزارة العدل والدوائر المرتبطة بها، لنؤكد أن العدالة الحقيقية لا تكمن في الاسم، بل في الروح التي تديره. يجب أن تكون الإنسانية والمنطق هما الحكم في التعامل مع الحالات الصعبة، لا مجرد التمسك بحرفية الإجراءات. وعلى المسؤولين أن يوجهوا موظفيهم ليكونوا عوناً للمواطنين، لا عائقاً أمامهم، وأن يعيدوا الثقة المفقودة ببناء جسور بدل الجدران. إن بناء الثقة بين المواطن والدولة هو أهم واجب، وهذا لن يحدث إلا عندما يرى المواطن أن حقوقه تُعطى له بسهولة وكرامة.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا