التذوق الجمالي لإدراك المعاني
التذوق الجمالي لإدراك المعاني
بقلم
محمد ابراهيم الشقيفي
ما يطرح الآن من الذوق العام ، ليس كما سبق وكان ، من شغف ورقى وإتقان ، لقد انجرف الفكر عن التيار ، بعدما انقسم ظهر الاعتدال . وعادة فإن ما سلف ، يشبه إرث تآلف عليه العقل ، من غير تنكر أو خوف ، و دون تملق من شواهد الماضي ، فإن ما يحدث ليس بأمر عادى ، فمنذ الأمس قلما نتج على مائدة الحوار شقاق ، أو بالأحرى تكشفت عروة الميثاق ، و كثر اختلاق المبررات.
نتعايش حالة من الكآبة المزاجية ، بعدما أصاب شغف التذوق ، توجهات تأبى أن ترتدي سترة، غزل خيطها من الإيقاع ، لقد انحدر الحس الجمالي ، بعد العزف على أوتار خشنة اللون، بإسم التجديد ، فشوه التقليد السلم الموسيقى.
نحن أمام تصدع أحدث هلع فى إشارات التردد ، عصف بجدار البنية التحتية للادراك السماعي ، وتصدر الاستنساخ الأعمى قائمة التسويق ، لاستحداث شعبة تفتقد إلى عنصري الإثارة والتشويق ، وربما هذا الهرج لا يمت بصلة إلى كلاسيكيات الموسيقى فى عهدها الذهبي ، و صارت القدرة على التكيف مع هذا الصخب ، أشبه بالوهن المعنوي ، بات الكل يترجم لغة التدني بشكل رديء مزرى .
الوتر المشدود بكل عنف ، يحتاج إلى تدخل شبه قطعي لكن بلطف ، وذلك من أجل بقاء المعزوفة الموسيقية ، تتراقص بانسيابية بين أنامل إحساس العزف ،ومن أبرز المعنيين بهذا اللون ، الذي يمتد إلى حضارة انبثقت من وجدان المصري القديم ، (مايسترو الحب ) التي تربت على ضفاف النهر الخالد ، السيدة المصرية ( رشا احمد صابر الحلواني) ابنة محافظة الجيزة العريقة ، الحاصلة على ليسانس آداب مكتبات عام ١٩٩٣، والتي أفصحت عن رغبتها في الاعتناء بعلوم الموسيقى ، ولا سيما قادة تلك المقلدة بتاج التكريم من قطاع الفنون التشكيلية بعد مشاركتها الفعالة فى ذكرى وفاة طه حسين ، دفة الشراع فى محيط حوافه أمواج تبتلع حتى الخطر ، مع فريق يمتاز بندرة مذهبه ، وقيل عنه وصف الاحتراف ،فى الفتك بالمشاعر المزينة بالورود ، وفى صلبها ينبت أذناب الشوك .
ورغم أن الموسيقي ، تساهم في تحطيم السياج الحدودي للثقافات ، وتحدث حالة من التآلف والتحالف بين الناطقين بكل اللغات ، إلا أن المجتمعات الفنية والمحافل الترفيهية، أصابها الذعر بعد ضجيج تلك المهرجانات ، فحدث ولا حرج ، لكن الأمر قد يختلف ، بعدما أصاب كبد الألحان الوترية ، أفكار إصلاحية من قبل ( عضو لجنة علوم الموسيقي بالمجلس الأعلى للثقافة) ، بلمسة دفء حانية أرادت بها تغير موقع القطوف الدانية ، فلا يلتقط ثمار العزف إلا أصحاب المواهب الإستثنائية .
لقد شاركت رشا صابر ، عضو مؤسسه عظيمات مصر والوطن العربى ، ببصمة فعالة وهى تحتمي تحت مظلة الدولة بشرعية إسناد المهام ، و ليس بعجز التصفيق الأعمى ، الذي يفقد حالة التصور هيبة الوئام ، أسهمت بالكد والإبداع ، فى الإعداد والتنظيم و الابتكار ، متحدثة العوامل فى (ندوة مشاهير تحدوا الإعاقة بأكاديمية الفنون)، وكان لها الأثر الأروع أثناء الإسهام بمشاركة مبهرة ، فى فاعلية مثمرة عن كوكب الشرق ، وهى تناضل بوقفة احتجاجية سلمية ، مع مؤسسة عظيمات مصر بالتعاون مع ملتقى الهناجر الثقافى ، بعد أن فطنت (مدير قاعة الموسيقي بدار الكتب والوثائق القومية) لما يحاك خلف أبواب الهدم القادم من الغرب ، ولا سيما بعد اندثار العزف ، على وتيرة الطرب الأصيل .
لقد أثارت وضعية ما تقدمه بعض العروض المبتذلة ، حفيظة الكيان الفني الذي يشكل وجدان الحواس ، التي تعبر عن جماليات التذوق ، الذي ينبعث من طيفها شعاع الذوق، فلم يعد للجمهور العريض، قدرة على الانصات لعلم قد انبثقت مفاتن محاسنه من بين أصلاب الرياضيات قبل الميلاد ب( ٥٥٠ )عام ، بعد أن أسس (الفيلسوف فيثاغورس )علم الصوتيات ، إلا أن الدولة بمشاريعها الجلية ، تتجه نحو تحقيق المعادلة الفنية ، عبر تقنية التسجيل و الأرشفة للمقتنيات ، وانشاء مؤسسات متخصصة لدعم سبل الحماية للتراث الموسيقى ، و تجدد الأمل بسواعد أبناؤها .
لقد انشات قاعة للموسيقى ، بالهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية ، والتي أضاءت شعلتها بدقة متناهية السيدة/رشا احمد صابر الحلواني ، التي تعلقت آمالها بفعاليات تراث الآلات الموسيقية ، فضلاً عن إيمانها بتبادل الثقافات ، والاطلاع بصفة مستمرة على التطور في أدوات الإيقاع ، بعد أن استوقف
ضيف الشرف فى معرض إطلال نجوم الفن بقاعه أصداف ارت جاليري ،حالة الضياع الأخلاقي ، مهدت صاحبة رؤية عدم التفريط فى الكيان الفني ، لإقامة المركز القومى لثقافة الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة ، لكى يصبح رمزاً لتقديم النصح بعد فتق الجرح، ونفور الروح ، و الانجراف فى هاوية المتاع ، إنها بداية لتصحيح مسار العزف الركيك ، الفاقد رونق البريق.
لم تعد نشأة الموسيقى حدث عارض ، يحاول إدخال إيقاعه حيز التنفيذ ، بل عرف المصريين القدماء (الأرغول و الطبول و الدفوف ) ، تخطت الآلات الوترية العوز ، لاستخلاص الترجمة الحسية أثناء العزف ، على الناي أقدم الآلات الموسيقية ،لقد شاركت سفيرة الموسيقى العربية و ( حفيدة عائلة الحلواني) فى مؤتمر رائدات مصر ، بحضورها الذي يلامس الوجدان ، ومثلت العنصر النسائي فى سفارة التشيك لعام الموسيقي التشيكية ، لتمثل هذه المرأة المكرمة تتويجاً من ( البورد الدولى للتدريب والتطوير المحترف والتنمية البشرية ) حالة من التناغم تساعد على نمو شعور التحالف ، بين حدود الدول مختلفة المعارف.
و مما راق لي أن عباقرة الموسيقى تبدع اناملهم الساحرة ، حين المثول أمام جمهور يقدر كلاسيكات الزمن الجميل ، و كما أمتعتنا مقطوعة ( لودفيج فان بيتهوفن) التي تخطت حاجز المائتي عام ، فإن ( سيد درويش) رفع شعار التغيير ، هو و موسيقار الأجيال (محمد عبدالوهاب) ادخلوا معا رغم التفاوت في التفكير كل ماهو جديد ، وسبق كلاهما عصره بين أرباب التلحين، فى عقر دار الشرق مصر .
إلا أن مايسترو الحب المكرمة في معرض (ملتقى تفانين الدولى بجمعية محبى الفنون الجميلة )قد شغفت بربط الماضي الموسيقى بالحاضر القدري ، ومن ثم عكفت بعاطفتها غير المسبوقة ، على اعداد وتقديم ندوة بعنوان الإنشاد الهيروغليفي ، أظهرت من خلالها قدم هذا الفلكلور ، وإلى أى مدى كان المصريون القدماء ، يبثون فى الأغنية إتجاه يشعل الحس الجمالي ، خاصةً التواشيح الدينية ، الأناشيد الوطنية ذات الطابع العام ، التي تندرج تحت مسمي الموسيقي السياسة ، لتأثيرها المباشر فى التكوين الفني للذوق العام .
ومن منطلق إيمان صاحبة المشاركة بالحضور فى (فاعلية مصر فى عيون أطفال العالم )التى اقامها المركز القومى لثقافة الطفل بمسرح الهناجر ، بأن ضرورة الإبداع تكمن في حتمية التجديد ، مع الاستلقاء على أريكة الكلاسيكية ، وتطوير مسارات الدرب بما يواكب كل دخيل على الذوق الجمالي ، شاركت بالحضور فى المؤتمر العلمي الدولي للذكاء الاصطناعي ، لاكتساب مهارات تتعلق بالحداثة الموسيقية .
وبعد أن نالت شرف التكريم ، من مجله عالم النجوم كأفضل الشخصيات المؤثره عام ٢٠٢٤، انتفضت محاولة السيطرة على النزيف السلوكي ، من خلال فاعليات( تأثير الأدب على الصحة النفسية )، جعلت المشاركة الإنسانية أولى خطوط الدفاع ، ونظمت العديد من الورش الحيوية ، للاهتمام بالصحة العامة أهمها (مبادرة ترياق النجاة لدعم مرضى السرطان) ، ثم قامت ضيف الشرف بمعرض زهور من نور بمكتبة مصر العامة ، بتبني أحلام ذوى الهمم والإعاقة ، نظرت إلى مدى تعزيز قدرتهم بعين الاعتبار ، بعد أن استشعرت عن قرب ، الإسهام المباشر فى تحريك الماوس الفني ، لابتكار برامج هادفة لخدمة المجتمع . أطلقت عليها قيثارة الاسعاد ، رغم البكاء فى زحام الألم ، وعلى أثر هذا وذاك الدعم المقدم من قبلها فى ورش الحكى والاستماع ، والمشاركات المدونة فى سجلات الفاعليات والندوات ، استحقت التكريم بجدارة من (المتحف القومى للحضارة ، والمركز القومي لثقافة الطفل)،نظير مجهود تأبي الأقلام أن يذهب سدى فى طي الكتمان.
و شاركت تلك الشبيهة بالآلة الوترية الحساسة، فى إعداد احتفالية تشبه الثورة الفنية ، لتفعيل دور المواهب من ذوى الهمم بمجلة علاء الدين ، فضلاً عن إطلالة رقيها المتناسق ، فى اليوم العالمي للإعاقة ، خلال فترة كورونا القاحلة بالمرض ، لم تكتفي هذه الضيفة المستمرة الظهور ببرامج التلفزيون المصري، بما قدمته من دور محوري فحسب ، زانه التنوع فى العرض الموضوعي لورش العمل ،و انصبت منهمكة على إعداد ، ورش حكى واستماع للطربيات ، لقد وضعت خطوطاً عريضةنحو إبراز فكرة بقاء النسل الموسيقي ، على سابق العهد .
رشا الحلواني ، هى النجمة التي صنعت ضوء الطموح لفرسان التحدي ، و استهدفت ضبط إيقاع وتريات العزف، الذي يشكل لصناع النغم مرآة الهوية، ومن ثم أعدت ندوة بعنوان (بليغ نغم مصر الخالد )، وكأنها أرادت أن تدمج الوصال العالق فيما بين السطور ، لاستعادة حلقات مفقودة أرهقت من متاعب المواجهة ، تسلقت سفيرة الوئام ، من خلال التعاون المباشر ، مع مؤسسة عظماء مصر ، تلك الأفرع التي تطرح أغصانها ثمار الإنسانية ، شاركت حواء المصرية بأريحية ، تحت ظل السكينة فى (عيد الطفولة بمتحف طه حسين)، ولاسيما لأجلها تمخض الخير ، وافرز نواة الإحسان ، و أسقطت أرضا لغة المقايضة ، فلم يعد شغف العزف ، يمثل حالة من التأهب ، تنتهي ويتم اسيقاف هويتها ، أرها بمنطق العقل ، رائدة ذو تضاريس فلسفية ، أشعلت فى المشكاة ، بريقاً من الود قبل أن يرحل الأمل .
التعليقات الأخيرة