أوهام السيادة: كيف يُعاد رسم خريطة الشرق الأوسط؟ من الحماية الظاهرية إلى التبعية الممنهجة 10/ايلول/2025
أوهام السيادة: كيف يُعاد رسم خريطة الشرق الأوسط؟
من الحماية الظاهرية إلى التبعية الممنهجة
10/ايلول/2025
إعداد/ عدنان صگر الخليفه
مقدمة
تُظهر الأحداث الجيوسياسية في المنطقة العربية تباينًا صارخًا بين الخطاب المعلن عن السيادة والواقع الذي يؤكد أن مصير المنطقة يُعاد رسمه بأيدي قوى خارجية. يهدف هذا البحث إلى تحليل هذه الفجوة من خلال تفكيك الآليات التي يعمل بها النظام الدولي وتأثيرها على السيادة الوطنية وقدرة الدول على حماية نفسها. يتناول هذا البحث أنماط التحالفات العسكرية ودور المنظمات الدولية والقرارات السياسية الداخلية، ليكشف كيف تتحول السيادة إلى وهم في ظل نظام يُدار لخدمة مصالح محددة.
المحور الأول: وهم الحماية والأسلحة الانتقائية
إن وجود القواعد العسكرية والمعاهدات الأمنية مع الولايات المتحدة لا يضمن حماية الدول العربية من أي اعتداء، خاصة إذا كان المعتدي هو حليف أساسي للولايات المتحدة. حادثة الهجوم على قطر أظهرت بوضوح أن القوات الأمريكية لم تتدخل لصد الهجوم، مما يعكس معياراً مزدوجاً؛ فالولايات المتحدة تحمي حلفاءها المقربين من الهجمات، ولكنها لا تمنع حلفاءها المقربين من شن هجمات.
وفي هذا السياق، فإن الأسلحة والدفاعات الجوية التي تُشترى بمليارات الدولارات لا تخدم بالضرورة غرض الحماية المطلقة، بل تُستخدم لخدمة أهداف أخرى مثل الردع ضد خصوم إقليميين آخرين أو لتعميق التبعية السياسية والعسكرية. كما أن نفس الدفاعات التي أسقطت صواريخ إيرانية متجهة نحو إسرائيل أظهرت أنها لا تستطيع حماية الدول التي تمتلكها من هجوم إسرائيلي، مما يطرح فرضية أن هذه القدرات إما مقيدة تقنياً أو سياسياً عن الدفاع ضد أهداف معينة.
المحور الثاني: المعايير المزدوجة للنظام الدولي وتغييب الإرادة الشعبية
إن المنظمات الدولية مثل مجلس الأمن والأمم المتحدة لا تمنع الهجمات الإسرائيلية ولا تستطيع إدانتها بشكل حقيقي، مما يعطي انطباباً بأنها تخدم مصالح القوى الكبرى فقط. هذا النظام لا يكتفي بعدم الردع على الهجوم الحالي، بل يرسل رسالة واضحة بأن أي هجوم مستقبلي سيُقابل بنفس عدم المساءلة، مما يمنح إسرائيل حرية الحركة الكاملة. وفي إطار هذا السياق، يُعتبر لجوء القادة العرب إلى هذه المنظمات الدولية وسيلة لإدارة الرأي العام المحلي وإيهام الشعوب بأن هناك جهودًا مبذولة للرد، بينما يدرك القادة أن هذا المسار لا يؤدي إلى نتائج حقيقية.
إن كل المتغيرات في المنطقة، بما في ذلك ما يُعرف بـ"الربيع العربي"، لم تكن لخدمة إرادة الشعوب، بل كانت تهدف إلى إدارة الأزمات لتغيير الأنظمة بما يخدم مصالح القوى الكبرى، مما يبقي الدول في حالة هشاشة وهوان. النظام الذي أُسس في العراق بعد عام 2003 لم يكن وليد إرادة الشعب، بل كان قرارًا دوليًا صلبًا للحفاظ عليه ومنع أي تغيير.
المحور الثالث: القبول بالواقع كاستراتيجية للبقاء
بناءً على هذا التحليل، فإن غياب أي رادع حقيقي لإسرائيل يجعل من وجودها "شراً لا بد منه"، مما يدفع الدول إلى التهدئة معها كاستراتيجية للبقاء. تعتبر الاتفاقيات الإبراهيمية دليلاً على أن أمن إسرائيل أصبح أولوية لبعض الدول العربية، وهو جزء من استراتيجية أوسع لحماية مصالحها. ومن هنا، فإن الأجواء العربية تُستخدم من قبل إسرائيل لتنفيذ هجمات، بينما لا يُسمح لأي طرف آخر باستخدامها لضرب إسرائيل. هذا يؤكد المعيار المزدوج الواضح ويوضح أن التعاون مع إسرائيل قد أصبح ضرورة أمنية لبعض الدول. في النهاية، يمكننا القول إن أي سلطة أو إدارة تخدم مصالح الشعوب بشكل مستقل تُمنَع من الوجود، لأنها تتعارض مع مصالح "الآخرين"، وهذا هو ما يجعل إرادة الشعوب مغيبة بشكل ممنهج.
الخلاصة
يُظهر هذا البحث أن آليات النظام الدولي في المنطقة لا تُعنى بالضرورة بالدفاع عن الدول أو تحقيق العدالة، بل هي مصممة للحفاظ على نظام مُدار يضمن استمرارية المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى. في هذا النظام، تُصبح الحماية انتقائية، والأسلحة أداة للتبعية، والسيادة الوطنية قابلة للتفاوض، بينما تُغيب إرادة الشعوب وتُستبدل بضرورات "الاستقرار" الذي تفرضه القوى الخارجية.
التعليقات الأخيرة