الهوية المصرية في زمن المتغيرات
الهوية المصرية في زمن المتغيرات
بقلم د. إيمان فوزي
الهوية المصرية ليست وثيقة نُبرزها ولا شعارًا نرفعه، بل هي روح حية تتجسد في تفاصيل حياتنا اليومية، في العائلة والجيرة والزواج والتعليم وتربية الأبناء والصداقة. هي مزيج من القيم التي توارثناها والطباع التي شكّلت وجداننا جيلاً بعد جيل. في الماضي كان الأخ يحرص على زيارة أخته بانتظام، ليؤنسها ويُشعرها بالقرب والود، ويحمل معه لأبنائها بعض الحلوى البسيطة التي تصنع بهجة في البيت وتغمر القلوب بالدفء. كانت الأعياد والمواسم مناسبة لتبادل الهدايا وتأكيد الصلات، وكانت الجيرة صورة من صور المودة الصافية، فما إن تفوح رائحة طشة الملوخية من بيت إحدى الجارات حتى تبادر ربة البيت بإرسال طبق منها إلى جارتها، وكأن البخار المتصاعد يحمل معه رسالة محبة قبل أن تبلغ الأطباق الموائد. ولم يكن أحد يتجرأ أن يؤذي أخت صديقه أو يسيء إليها، لأن الحرام والعيب كانا مستنكرين بطبعهما لا يحتاجان إلى جدال. والزواج لم يكن مسرحًا للصراع بين الصالونات والحب، وإنما قيمة حقيقية تقوم على الصدق والوفاء، ولم يكن الزواج المبكر يومًا علامة تخلّف كما يظنه البعض اليوم، بل كان في كثير من الأحيان صمام أمان يحفظ العلاقات في إطارها الشرعي ويصون الكرامة، سواء جاء مبكرًا أو متأخرًا، فالمعيار هو القدرة على إقامة بيت عامر بالمودة والرحمة. أما التعليم فلم يكن انعكاسًا للظروف المادية، فلم يكن الآباء يدفعون بأبنائهم إلى جامعات باهظة الثمن أو كليات لا تناسب قدراتهم وميولهم طلبًا لمكانة اجتماعية أو تفاخرًا زائفًا، بل كان كل طالب يتجه إلى ما يلائم طبيعته ويعبّر عن ميوله الحقيقية، فكان التفوق ثمرةً طبيعية والإبداع حصيلةً صادقة، ومن هنا خرجت أجيال من العباقرة الذين تركوا بصماتهم في المجتمع وما زال أثرهم ممتدًا حتى اليوم. وكانت الفتاة تدرس الاقتصاد المنزلي فلا يُعاب عليها، بل كان ذلك جزءًا من تكوينها الطبيعي وإعدادها لحياة متوازنة، في الوقت الذي كان فيه الشاب يختار ما ينفعه في مستقبله دون ضغط أو مظهرية. أما تربية الأبناء فقد قامت على غرس معنى الحلال والحرام والعيب واحترام الأكبر سنًّا، فلم يكن تكوين الشخصية مبررًا لإلغاء الأدب أو التطاول على الكبار، بل كان التدين أقرب إلى الفطرة، بسيطًا صافيًا يعكس طهارة القلب أكثر مما يعكس مظهرًا. ولم يكن الكبير يحمل في قلبه حقدًا ولا ضيقًا تجاه الأصغر سنًّا حين يراه متميزًا، بل كان إذا لمس فيه موهبة أو قدرة خاصة يسعى إلى تنميتها وصقلها بخبرته، ويمنحه النصيحة الصادقة التي تفتح أمامه أبواب التميز. والصداقة في جوهرها كانت إخلاصًا ووفاءً، بينما انزلقت عند كثيرين اليوم إلى المصالح والمنافع، ففقدت كثيرًا من روحها الأصيلة. وهنا يثور السؤال: هل ضاعت الهوية المصرية في عصرنا الحالي؟ إن من الجميل أن نساير التطور ونستفيد من معطيات العصر، لكن الأجمل ألا نفقد جذورنا الأصيلة، وألا نفرط في قيمنا التي هي حصننا وركيزتنا، وأن نبقى كما كنا دومًا قلبًا نابضًا بالفضيلة والأصالة مهما تبدلت الأزمنة. فهل نحن قادرون على أن نورث أبناءنا هويةً لا تبهت ولا تنكسر مهما تغيرت الأيام؟
التعليقات الأخيرة