قصة ليست عن الغيرة... بل عن الطمع الذي قتل أسرة كاملة
قصة ليست عن الغيرة... بل عن الطمع الذي قتل أسرة كاملة
بقلم :هبه هيكل
لم تكن الغيرة هي الدافع الحقيقي وراء ما حدث في قرية دلجا بمركز دير مواس في محافظة المنيا... بل كان الطمع، وحب التملك، والحقد الأسود الذي لا يعرف رحمة.
هاجر عبد الكريم، شابة لم تتجاوز الرابعة والعشرين من عمرها، قبلت أن تكون زوجة ثانية لرجل يكبرها بسنوات طويلة، يُدعى ناصر، وهو أب لستة أطفال من زوجته الأولى. لم يكن زواجها منه قائمًا على المودة أو الشراكة، بل على ما بدا لاحقًا أنه طمعٌ خفي في ما يملكه الرجل من بيت وأولاد وأملاك.
ناصر، ذلك الرجل الذي حاول أن يبدأ حياة جديدة، لم يجد فيها ما كان يبحث عنه من سكينة أو استقرار. فربما لاحظ أن أطفاله لم يجدوا الراحة مع الزوجة الثانية، أو افتقد دفء بيت كان عامرًا يومًا ما بحب حقيقي. وربما اكتشف أن ما ظنه "بداية جديدة" لم يسدّ الفراغ الذي تركته زوجته الأولى. فقرر أن يُصلح ما تهدّم، وأن يجمع شمل أسرته، لا من باب الندم فحسب، بل من شعور الأب بالمسؤولية، ومن يقينه أن ما فُقِد في الماضي كان أغلى مما كسبه في الحاضر.
ولعل تلك العودة لم ترُق للزوجة الثانية، لا لأن قلبها كُسر، بل لأن حساباتها كانت مختلفة منذ البداية… حسابات لم يكن فيها مكان لا للأطفال ولا لوالدتهم ولا حتى للزوج نفسه… فقط حسابات ميراث ومكانة وسيطرة.
ناصر، الذي انفصل عن زوجته الأولى منذ عامين، قرر أن يُعيد ترتيب بيته ويجمع شتات أسرته من جديد، فصالح زوجته الأولى وأعادها إلى عصمته بعد رمضان، وخصص لكل منهما بيتًا يبيت فيه أسبوعًا تلو الآخر. لكن هاجر لم تحتمل أن تشارك ما ظنته ملكًا خالصًا لها. فليس في قلبها تقبُّلٌ لمبدأ التعدد، ولا احترامٌ لحقوق الآخرين، ولا حتى فهمٌ لمعنى الأسرة. كانت ترى في بيت ناصر مجرد غنيمة، وأبنائه الستة مجرد عقبة أمام "الميراث المنتظر".
ولأنها تملك في منزلها فرنًا للخبز، كانت تُعد الخبز الشمسي للأسرة. لكن ما خَبَزَته يدها لم يكن خبزًا بل كان السمّ المغلف في رغيف. في يوليو الماضي، اشترت من محل مبيدات زراعية مادة "الكلوروفينابير" المخصصة لمكافحة آفات الطماطم، وسقَتها لأطفال ناصر في طعامهم، حتى سقطوا واحدًا تلو الآخر.
لم تكن تفعل ذلك في لحظة جنون أو تحت ضغط عاطفي؛ بل بحسابات باردة، وبضمير غائب. تقرير مستشفى العباسية أثبت أنها كانت في كامل وعيها حين قامت بذلك، واعترفت أنها لم تكن تتوقع أن يصل الأمر إلى الوفاة، لكنها كانت تدرك جيدًا عواقب ما فعلت، وتخطط له خطوة بخطوة.
الغريب أن أم هاشم، الزوجة الأولى، لم تأكل من الخبز، ليس حذرًا من السم، بل من باب الشك في أنها قد تكون مسحورة من الزوجة الثانية، لكن لم يخطر ببالها أن هناك ما هو أشد فتكًا من السحر... السم المدسوس بعين الطمع.
وهنا، لا بد أن نقف ونتأمل:
كيف لإنسان أن يقتل من وثق به؟ من آواه؟ من أعانه وأكرمه؟
كيف تُزهق أرواح أطفال أبرياء لم يرتكبوا ذنبًا سوى أنهم أبناء رجل ظنت زوجته الثانية أنها قد تستأثر بكل ما يملك؟
أية قلوب هذه التي تُخطط وتشتري السم وتطعمه لطفل صغير دون أن يرف لها جفن؟
أين الضمير؟ أين الدين؟ أين الخوف من الله؟
ما حدث ليس قصة عن الغيرة كما يروّج البعض، بل هو درس مؤلم عن الطمع حين يتحول إلى شيطان في جسد امرأة. كانت تريد أن تزيل كل من حول الزوج، لتبقى هي وحدها مع جنينها وترث المال والبيت وربما الحياة.
لكنها نسيت أن الدنيا دار حساب قبل أن تكون دار عقاب، وأن الله لا يغفل ولا ينام. نسيت أن الميراث لا يُنتزع بالحيلة، وأن من يُزهق روحًا ظلمًا، فجزاؤه عند الله شديد.
لقد فقدت أسرة كاملة حياتها في لحظة غدر، وتركت وراءها أماً مكلومة، ورضيعًا جاء إلى الدنيا بلا أب، وربما بلا أم، بعد أن يتم القضاء ما بدأه السم.
هذه ليست مأساة فقط... إنها جرس إنذار لكل من تسول له نفسه أن يعتدي على حدود الله، أو يعبث بالأمانات، أو يرى في الطمع وسيلة للنجاة.
> "ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا."
– سورة النساء، الآية 93
التعليقات الأخيرة