news-details
مقالات

الهَدْرُ العِلْمِيُّ  د. محمد علي عطا  MA.ATA.2020@GMAIL.COM 

الهَدْرُ العِلْمِيُّ 
د. محمد علي عطا 
MA.ATA.2020@GMAIL.COM 

أثناء المشوار العِلمي تعنُّ أفكارٌ بحثية، تبرُقُ في النفس برقةً، فتحدث انجذابًا نحوها، تجعلك تتحول عما أنت فيه إليها، وتسير خلفها كما يسير المتأثر بنداهةِ قصة يوسف إدريس، وتلبث معها من عمرك سنين، وفجأة تنصرفُ أو تُصرَف، وتظل معلقةً، رغم أنك قد وصلت في بعضها إلى قرب التمام، وتبقَّى عليها قليلٌ من الجهد لتكون كقصيدة منحوتة لأبي تمام، وتظل ترتقب التفرغ لها، وهيهات هيهات! ثم بعد سنين دوارس، وأنت منها بين طامعٍ وآيس، تُفاجأ بها منشورةً أو محققةً، فتشتجر عليك المشاعر! 
 حدث هذا معي غير مرة، أذكر منها: 
- كنت في إحدى دور النشر، أشارك في تحقيق البداية والنهاية لابن كثير، فقادتني الملاحظة إلى جمع الطرائف المنثورة فيه، مثل الحوادث العظيمة والكوائن الغريبة التي ينص عليها ابن كثير، مثل سقوط مطر أحمر، وظهور توأم ملتصق في اليمن وإجراء عملية جراحية لهما بلف خيط في منطقةٍ ما، فيضمُر جسد أحدهما بسبب عدم وصول الدم إليه ويحيا الآخر. 
 والرجل الذي سخِر من المسواك ووضعه في دبره فعاقبه الله بالحمل في كائن غريب ذي أظافر، فقطع أمعاءه بأظافره فمات بعد ولادته، والفئران السود والبيض التي كانت تتقاتل، وتحمل جرحاها بعد المعركة، وغيرها الكثير والكثير، ثم بعد سنين كسلٍ عنه، وجدت كتابًا بهذا العنوان أو قريبًا منه. 
 
-وكذلك عنَّ لي أن أجمع قصص مدَّعي النبوة الذين ذكرهم وأضم إليهم غيرهم ممن ظهروا بعد موت ابن كثير إلى يومنا هذا، وفعلت ثم توقفت، ثم وجدت -بعد سنين كسلٍ عنه- عنوانًا قريبًا منه منشورًا. 
-وكذلك اقترح صديقٌ المشاركة في تحقيق كتاب مختصر تفسير الطبري، وعزمنا على تحقيقه شراكةً ونسخنا قدرًا صالحًا ثم توقفنا، ونُشر. 
-وفي مكتبة الدكتور عبد الفتاح الحلو رحمه الله نسخة مخطوطة من الكتاب الرائع "الدر الفريد" لابن أيدمر، من المنشورات الفاخرة لفؤاد سزكين رحمه الله، وكم لبثت الأيام والليالي أقلب فيه وفي أبياته الفريدة، سارحًا في عوالم شعره، وجمال خطه، ومصقول ورقه، وكأنما صُفرته كثبان رمال في صحراء العرب، يمر عليها الفصحاء والبلغاء، ينشدونك جميل أبياتهم مقرونةً بجميل مُحيَّاهم، ثم يتركونك حالمًا في معناها، وحسن مأتاها، وجميل سبكها، وروعة حِكَمها، فأجلس بالساعات كمن مسَّحه السحر، أو كمن جالَ من كُوَّةٍ بين الأزمان حينًا من الدهر، وقد قررت تحقيق مقدمته الأدبية النقدية الجليلة، غير أنه أصابني أيضًا سهم الكسل، بعد لوثة العَجَل، حتى وجدته مُحقًّقًا. 
-ومثل ذلك مع رائعة ابن فضل الله العُمري، "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار"، الذي لا تقل مخطوطته روعةً عن الكتاب السابق، وهذا عشت معه حبًّا وعملا، حيث كنتُ أشارك في عمل فهارس شاملة له، وكنت أقول في نفسي: من لهذا العِرق الخالص من الذهب، يخرجه بمجلداته الكثيرة من ضمير الغيب إلى عالم الشهادة محقَّقًا؟! وعنَّت لي فكرة اقتصاص أجزاء الأدب والشعر منه، وتحقيق بعضها، غير أن الصوارف سبقت، وأرخى الخمول قطيفته، وأسدل الكسل سدوله، حتى شاهدت أجزاءً منه تُحقَّقُ، ثم حُقِّق كاملا أكثر من مرةٍ ولله الحمد. 
- وكذلك مخطوطة كتاب "إتحاف الأخيار بما وُجد على القبور من الأشعار" لأحمد بن خليل اللبُّودي، احتزت مخطوطته، وسبرته، ووضعت خطته، ونويت الاستدراك عليه، في خطة مثاليةٍ، وقفت بي مثاليتها عن التمام، فتوارى خلف الأيام، حتى حقَّقه فِئَام. 
- وأدى بي كتاب اللبودي إلى فكرة الترجمة للمقابر وأماكنها ومن دُفن فيها من الأعيان، وهو أمر صعب، يشمل كل بقاع لغة الضاد من حاضر وباد، ولا تخفى صعوبته ومرامي شعوبيته. 
-وآخر ما أتذكر من هذه الأعمال، والداعي لكتابة هذا المقال، فنُّ الأربعينيات في علم الحديث، وهو حرص العلماء على جمع أربعين حديثًا في موضوع واحدٍ، وكنت قد جذبني هذا الفن، وحاولت أن أؤرخ له، وجمعت بطاقات وبطاقات، وسودت مسودات ومسودات، ثم تتابعت سنوات كسل وسنوات، حتى وجدت عملا شبيهًا منشورًا. 
ولست الوحيد في هذا الهدر العلمي، فكثير من علماء أمتنا مات ولم يتم بعض أعماله، أو أتمها ولم يبيضها، وأظن أنَّ كثيرًا من هذه الأعمال من بابة الفتور العلمي هذه، كما أظنها حالة طبيعية وصحية، ولكنها هَدْرٌ علميٌّ.  
وقد نصح الدكتور محمود الطناحي -رحمه الله –الباحثين بسرعة نشر ما لديهم من بحوث، وعدم تأجيل نشرها انتظارًا لمؤتمر أو لمناسبة علمية!

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا