مخاض شعب: عندما يختصر الشعر معاناة العراق 18/ايلول/2025
مخاض شعب: عندما يختصر الشعر معاناة العراق
18/ايلول/2025
بقلم/عدنان صگر الخليفه
تنتشر في جنوب العراق أبيات من الشعر الشعبي، تحمل في طياتها حكمة عميقة تختصر أوجاع النفوس. بيت شعر قديم، منسوب إلى الأمهات، يوصف فيه آلام مخاض الولادة التي لا تتبعها راحة: "أطلگ والاطلگ بي يطلگ وِلَهْ صِيَاح / لاهو برضه يجيب ولا جبته وارتاح". لم تكن تلك الأبيات مجرد تعبير عن معاناة شخصية، بل أصبحت اليوم المرآة التي تعكس حالة شعب بأكمله، عالقاً في مخاض سياسي واجتماعي لا نهاية له.
إن هذه القصيدة الموجزة، التي تتحدث عن المرأة الحامل التي لا تستطيع إنجاب طفلها ولا تستطيع التخلص من آلام المخاض، هي الوصف الأكثر دقة لمأساة العراق بعد عام 2003. فقد وعدت الديمقراطية القادمة من الغرب بولادة جديدة، بطفل اسمه "الحرية" و"الازدهار". لكن ما حدث هو أن الشعب، كالأم في القصيدة، التي وجدت نفسها تصرخ من الألم "وِولَيدها يسمع صِيَاحه، من شوقه للعيش بكرامة وألم من واقع لم يأتِ بالوعود المرجوة.
بين الوعود الكاذبة وواقع العجز، تقف الأمة في حالة من الانتظار المرير. فالنصف الثاني من البيت، "لاهو برضه يجيب ولا جبت وارتاح"، يضع يده على الجرح النازف:
"لاهو برضه يجيب": "هو" هنا هو النظام السياسي الذي تولى مقاليد الحكم. فقد جاء بشعارات رنانة عن التغيير والرفاهية، لكنه لم "يُنجب" شيئاً. بقيت هذه الشعارات حبراً على ورق، وتحولت المؤسسات إلى أداة لخدمة مصالح الأحزاب والنافذين. أثبتت التجربة أن التغيير الذي وعد به لم يأتِ، وبقي الشعب يعيش في ظل نظام يوهم بالديمقراطية ولكنه يمارس القمع والفساد.
"ولا جبت وارتاح": "أنت" هنا هو الشعب العراقي. فقد حاول مراراً وتكراراً أن "يُنجب" التغيير بنفسه، عبر تظاهرات وانتفاضات ضخمة، لكن كل هذه الجهود لم تؤد إلى الولادة المرجوة. وبقي الشعب في حالة من العجز عن إحداث تحول حقيقي، فبات لا هو يحصل على الوعود التي أُعطيت له، ولا هو يستطيع أن يتحرر من هذا العبء ليجد الراحة.
في النهاية، هذه الأبيات البسيطة تختصر ما فشلت التحليلات السياسية الكبرى في وصفه. إنها ليست مجرد قصيدة، بل هي تشخيص لحالة بلد عالق في دائرة مفرغة من المعاناة والألم. فالشعب العراقي ما زال في غرفة المخاض، يصرخ من ألم لا ينتهي، بانتظار ولادة لا تأتي، بينما يستمتع من حوله بـ"مكتسباتهم" على حساب آلامه.
التعليقات الأخيرة