مخاطر تسمية الرشوة بإسم الهدية
مخاطر تسمية الرشوة بإسم الهدية
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله الذي اكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة وجعل امتنا وله الحمد خير أمه وبعث فينا رسولا منا يتلو علينا آياته ويزكينا وعلمنا الكتاب والحكمة وأشهد أن لا إله إلا الله وحدة لا شريك له شهادة تكون لمن اعتصم بها خير عصمة وأشهد أن محمد عبدة ورسوله أرسله للعالمين رحمة وخصه بجوامع الكلم فربما جمع أشتات الحكم والعلم في كلمة أو شطر كلمة صلى الله علية وعلى أله وأصحابه صلاه تكون لنا نورا من كل ظلمة وسلم تسليما، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل واتقوا يوما الوقوف فيه طويل والحساب فيه ثقيل ثم أما بعد ذكرت المصادر الإسلامية كما جاء في كتب الفقه الإسلامي الكثير عن موضوع الرشوة وعن حكمها الشرعي في الإسلام وعن أخطارها وأضرارها علي الفرد وعلي المجتمع، وما تقدم في المصادر يظهر خيال في الأفق بإسم الهدية.
ويتساءل من خالط هذا الباب عن الفرق بين الرشوة وبين الهدية، وقبل الإجابة عن الفرق الحقيقي نقدم مقارنة واضحة من حيث الموضوع ثم من حيث الحكم، ولا شك أن المال أو العرض المدفوع هو بعينه، فتارة يكون هدية مقبولة، وتارة يكون رشوة ممقوتة، والفرق بينهما يظهر من موضوعه والغاية منه، وإتفق العقلاء أن الواحد بالجنس يكون بعض آحاده مشروعا وبعض آحاده ممنوعا، كالسجود مثلا، فهو جنس يشمل السجود في الصلاة والسجود للسهو وسجود التلاوة وكله عبادة فهو جنس، فإذا وقعت سجدة لله فهي عبادة وفريضة وهي مشروعة، وإذا وقعت سجدة لغير الله فهي شرك وممنوعة، فالسجدة الأولى ليست هي نفسها السجدة الثانية ولكنهما من جنس واحد، أو إن كانتا سجدتان متغايرتان في زمنين مختلفين بل الواحد بالذات يكون ممنوعا.
بإعتبار مشروعا بإعتبار آخر، كما في حديث بريرة رضي الله عنه، تصدق عليها باللحم ووضع على النار للطبخ، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلب الطعام، فقدم إليه خبز وملح أو خل، فقال " ألم أرى البرمة على النار؟" فقالوا هذا اللحم تصدق به على بريرة، فقال " هو لها صدقة، وهو لنا منها هدية " فأكل منه، فبإعتباره صدقة حلّ لبريرة وحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبإعتباره منها وبعد تملكه وإهدائها إياه بعينه لرسول الله صلى الله عليه وسلم صار حلالا، وأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، ومن هنا نقول إن الهدية مشروعة ومرغب فيها، ولها أثر ضد أثر الرشوة لأنها تؤلف القلوب وتورث المحبة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تهادوا تحابوا" وبين أن الهدية تزيل أضغان النفوس، وبينما الرشوة على العكس تورث القطيعة وتوقع العداوة.
والهدية يدفع المهدي بطيب نفس تقديرا للمهدى إليه أو تطييبا لخاطره أو تأليفا له، وكلها مقاصد حسنة وعن طواعية، ولذا فهو لا يخفيها كما يخفي الراشي رشوته والمهدى إليه قد يكافأ عليها إن عاجلا أم آجلا، وبينما الرشوة يدفعها الراشي مكرها ويأخذها المرتشي متسترا، وقد جاء الحديث الشريف " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس" وهو موافق للهدية معاكس للرشوة، وكما في قوله تعالى كما جاء في سورة النساء " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا " أي لطيب النفس به، وقد روي عن الإمام علي رضي الله عنه في الدواء أن تأخذ هبة من صداق زوجتك وتشتري به عسلا، أي لإجتماع الشفاء به، والنصوص في قبول الهدية أكثر من أن تورد هنا، ويكفي إجماع المسلمين على قبولها.
وهناك ما هو أعم، وهو كل عطاء بغير مسألة سواء قصد بذلك الإهداء والمحبة أو قصد به العطف والمساعدة، كما في حديث عائشة رضي الله عنها عند أحمد والبيهقي أن عبد الله بن عامر بعث إليها بنفقة وكسوة فردّته، ثم إستدعت الرسول بها وقالت إني ذكرت شيئا قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا عائشة من أعطاك عطاء بغير مسألة فاقبليه، فإنما هو رزق الله تعالى إليك " وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من عرض له من هذا الورق شيء من غير مسألة ولا إشراف نفس فليتوسع به في رزقه، فإن كان غنيا فليوجهه إلى من هو أحوج إليه منه " رواه أحمد والبيهقي، والنصوص في هذا من حلها وجوازها معلومة، بينما الرشوة كما تقدم، فالفرق بينهما هو عين الفرق بين الحلال الصرف والحرام البحت.
وهنا يلزم التحذير الشديد من تسمية الرشوة باسم الهدية لأن من أكلها عالما بها أنها رشوة مستحلا إياها فإنه يخشى عليه الكفر لأنه يدخل في عموم من إستحل ما علم تحريمه بالضرورة.
التعليقات الأخيرة