تذكروا الموت وسكرته والقبر وضمته
تذكروا الموت وسكرته والقبر وضمته
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله ذي العظمة والكبرياء ذلت لعظمته أنوف العظماء ودانت لجبروته الملوك والرؤساء وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له من نازعه الكبر صيره من الأذلاء ومن تواضع لأجله أنزله منازل السعداء، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله سيد المتواضعين يكره ويبغض الجبابرة المتكبرين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا أما بعد ذكرت المصادر الإسلامية كما جاء في كتب الفقه الإسلامي الكثير عن الدنيا وعن التنازع عليها والسعي وراء شهواتها وملذاتها، فيا عباد الله ليلتان إثنتان يجعلهما كلُ مسلم في مخيلته، وهما ليلة وهو في بيته مع أطفاله وأهله منعما سعيدا في عيش رغيد وخير مديد في صحة وعافية يضاحك أطفاله ويضاحكونه، نسي الموت وسكرته والقبر وضمته.
ثم الليلة التي تليها مباشرة، ليلة أتاه الموت فوضع في القبر لأول مرة وأول ليلة في القبر، بكى منها العلماء وشكا منها الحكماء ورثا إليها الشعراء، فالآن عليك أن تراجع حسابك والآن تتوب والآن تنتهي عن المعاصي ويا مدبرا عن المساجد ما عرف الصلاة، يا معرضا عن القرآن ما تلاه، يا منتهكا لحدود الله ما أغراه، يا ناشئا في معاصي الله ما ألهاه، يا مقتحما لأسوار الحرام ما أقساه، أتتوب حينما غرغرت الروح وحشرجت، وبلغت الحلقوم وخرجت، أين أنت قبل ذلك ؟ إنها أول ليلة في القبر، وأعظم من ذلك وأحسن قول صاحب العطاء والمنن " وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد " فيا عباد الله كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاته عدة دنانير، فنظر إليها ثم قال " ما ظن محمد بربه لو مات وهذه عنده " فتصدق بها كلها.
ألا وإن من عجب العجاب ومن الإستغراب هو صنيع من رضوا بالدنيا واطمأنوا بها، وجمعوا أموالها، ليقاسوا في القبر أتعابها، فإستغلوا كل لحظة في جمع حطامها الزائل وحالها المائل فعددوا الأراضي والعقارات وأجحفوا في كثرة الإجارات وأكثروا من ظلم العمال والأجراء وأهملوا حق الله عز وجل، فويل لمن هذا حاله وذاك مناله واحذروا الموت عباد الله ، وأيم الله لن تعيشوا عمر نوح، فاحذروا غرغرة الروح واتقوا الله رحمكم الله، وإجتنبوا السيئات وتسابقوا إلى فعل الخيرات، فقال الله تعالى " يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير" وقال بعض السلف " الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا" وقد شبهت الدنيا برجل رأى في منامه ما يحب وما يكره.
فبينما هو كذلك إنتبه من نومه فإذا ليس في يديه شيء مما رأى، فالدنيا كحكم ماضي أو ظل زائل، وطالبها وكلنا يطلبها، مثل شارب البحر، يزداد عطشا حتى يموت، وللإنسان ثلاثة أحوال وهم حال قبل أن يخلق، وحال بعد أن يموت، وحال بينهما، فأما الحال قبل الخلق فإنها طويلة لا بداية لها، وأما الحال بعد الموت فإنها طويلة لا نهاية لها، والذي بينهما هو الدنيا، وهي قصيرة جدا بالنسبة إليهما، فمن نظر بهذه العين لم يركن إليها، ولم يبال كيف انقضت أيامه فيها في ضرر أو ضيق، أو في سعة أو رفاهية، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " مالي وللدنيا؟ إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال تحت شجرة ثم تركها وراح " رواه الترمذي، وهذه الدنيا لم توصف إلا بأدنى الأوصاف، فقد وصفت باللعنة والغرور، والمتاع وغير ذلك، حيث قال تعالى " وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع "
التعليقات الأخيرة