وسيلة العزلة الشرعية
وسيلة العزلة الشرعية
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله الذي أرسل رسله بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وهدى به إلى صراط مستقيم ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة نرجو بها النجاة من العذاب الأليم والفوز بالنعيم المقيم ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى الكريم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ،ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما أما بعد ذكرت المصادر التعليمية والتربوية الكثير عن وسائل التربية الذاتية، ومنها محاسبة النفس وذلك بأن يحاسب الإنسان نفسه قبل العمل وأثناءه وبعده، وأن يداوم على محاسبة نفسه في كافة جوانب حياته، فالمحاسبة هي التي تعرّف الإنسان بعيوب نفسه وجوانب ضعفها، وهي التي تعينه على علاجها.
وكما أن من وسائل التربية الذاتية، هي وسيلة العزلة الشرعية ونعني بالعزلة الشرعية أن يكون للشاب حظ من الوقت يخلو فيه بنفسه، ويقبل فيه على الله عز وجل ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين تعليقا في قوله صاحب المنازل في درجات الإيثار قال ألا يقطع عليك طريق السير والطلب إلى الله جل وعلا مثل أن تؤثر جليسك على ذكرك وتوجهك وجمعيتك على الله تعالي، فتكون قد آثرته على الله وآثرت بنصيبك من الله ما لا يستحق الإيثار، فيكون مثلك كمثل رجل سائرٍ على الطريق لقيه رجل فإستوقفه وأخذ يحدثه ويلهيه حتى فاته الرفاق، وهذا حال أكثر الخلق مع الصادق الساعي إلى الله جل وعلا، فإيثارهم عليه عين الغبن وما أكثر المؤثرين على الله غيره، وما أقل المؤثرين الله على غيره، وكذلك الإيثار ما يفسد على المسلم وقته قبيح أيضا.
مثل أن يؤثر في وقته ويفرق قلبه في طلب خلقه، أو يؤثر بأمر قد جمع همه وأمره إلى الله ليفرق عليه قلبه بعد جمعيته ويشتت خاطره، وهذا أيضا إيثار غير مشروع، وكذلك الإيثار بإشتغال القلب والفكر في مهمات الخلق ومصالحهم التي لا تتعين عليك، على الفكر النافع وإشتغال القلب بالله ونظائر ذلك لا تخفى، بل هو حال الخلق والغالب عليهم وكل سبب يعود عليك بصلاح قلبك ومحاسبة نفسك مع الله فلا تؤثر به إنما تؤثر الشيطان على الله وأنت لا تعلم، إذن فمهما كنت في ميدان من ميادين الخير، سواء في ميدان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو ميدان تعليم علم، أو ميدان جهاد في سبيل الله، فلابد أن يكون لك نصيب ولو كان يسيرا، تخلو فيه مع الله عز وجل، فتتلو فيه كتاب الله عز وجل وتتدبره.
وتقوم الليل أو تصوم، فهذا زاد لك يعينك على هذا العمل الذي تفرغت له، ولاشك أن الإنسان حينما يفكر في موضوع معين ويعتني به ويتفاعل معه، قد يكون لديه خلل أو فهم خاطئ نتيجة مبالغته في النظرة إلى هذا الموضوع، ومن هنا كان لابد أن نشير إلى بعض المفاهيم الخاطئة التي قد تتبادر للذهن من خلال سماع هذا الموضوع، أو من خلال تفكيرنا بحاجتنا إلى التربية الذاتية، ومنها هو إستقلال النفس، فقد يشعر بعض الشباب أننا الآن حشدنا الأدلة والمؤيدات في إقناعه بتربية نفسه، فيقول ما دمت أدرك عيوبي أكثر من غيري، وما دمت مسؤولا مسؤولية فردية، فأنا لست بحاجة إلى الآخرين، ولست بحاجة إلى أن أحضر إلى مجالس العلم فبإمكاني أن أحصله بنفسي، ولست بحاجة إلى مشاركة الشباب الصالحين في برامجهم، إلى غير ذلك، وهذا خطأ.
فالناس بحاجة إلى التعليم، وبحاجة إلى التربية وقديما قيل من كان أستاذه كتابه فخطؤه أكثر من صوابه، فمن أراد أن يتعلم العلم من خلال الكتب وحدها لا يمكن أن يبلغ الغاية، ومن أراد أن يربي نفسه في هذا العصر وهذا المجتمع وسط هذا الزخم الهائل من المغريات والشهوات والفتن، وفي هذا الوسط الذي يظن أنه يستطيع أن يستقل بنفسه فهذا وهم كاذب، فلابد له من رفقة صالحة يعينونه على طاعة الله، وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم كما يقول إبن عباس رضي الله عنهما "أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل" فإذا كان الرسول صلي الله عليه وسلم يستفيد من لقائه بجبريل وهو رسول الله أفضل الخلق فغيره من باب أولى.
التعليقات الأخيرة