الحلم يتحول إلى كابوس في عالم الطفولة ...أطفال يقتلون بعضهم البعض
الحلم يتحول إلى كابوس في عالم الطفولة ...أطفال يقتلون بعضهم البعض
بقلم : الإعلامي مجدي الناظر
لم يعد مشهد العنف مقتصرًا على شاشات السينما أو صفحات الحوادث، بل أصبح واقعًا نعيشه كل يوم في مجتمعاتنا.
حوادث مؤلمة تتكرر: طفل يطعن زميله، وآخر يضرب صديقه حتى الموت، وثالث يقود مجموعة من أقرانه في جريمة بشعة، وكأننا أمام جيل يفتقد الرحمة ويعيش في دوامة الغضب والانتقام.
التفكك الأسرى وإنشغال المدرسين بالدروس الخصوصية وعدم الاهتمام بتربية الاولاد علي الأخلاق الكريمة والبعد عن الدين واخلاق الإسلام والنبي العدنان صلي الله عليه وسلم
أسباب رئيسية أدت إلى سوء الاخلاق التى وصلت إلي قتل الاطفال بعضهم البعض.
السؤال الصادم الذي يفرض نفسه: كيف يتحول طفل لم يتجاوز الثانية عشرة إلى قاتل؟
وأين اختفت براءة الطفولة وضحكتها التي كانت تملأ البيت والمدرسة سعادة؟
أولاً: الأسرة.. المصنع الأول للسلوك
الأسرة هي الحضن الأول، والمدرسة الأولى، وصانعة القيم في حياة الطفل.
لكن حين يفتقد الطفل الأمان داخل البيت، وينشأ في أجواء يسودها الصراخ والضرب والشتائم، فإنه يتعلم مبكرًا أن العنف هو وسيلة التعبير الوحيدة.
فالأب الغائب، أو المنفصل، أو المنهمك في مشاغله، لا يدرك أن غيابه العاطفي أخطر من غيابه الجسدي.
والأم التي تتعامل مع الطفل بالقسوة لا تعرف أنها تصنع بيديها شخصية عدوانية تبحث عن التفوق بالعنف لا بالحب.
لقد أثبتت الدراسات أن أكثر الأطفال عنفًا هم أولئك الذين تعرضوا للإهانة أو العنف المنزلي أو التمييز بين الإخوة.
فالطفل الذي لا يجد احترامًا في بيته، لن يحترم حياة الآخرين في الشارع أو المدرسة.
ثانيًا: الإعلام ومواقع التواصل.. غرس العنف في اللاوعي
ما يشاهده الطفل اليوم يفوق قدرته على الاستيعاب.
أفلام مليئة بالدماء، وألعاب إلكترونية تقوم فكرتها على القتل والانتقام، ومقاطع قصيرة تُظهر العنف على أنه بطولة وشجاعة.
حتى الرسوم المتحركة أصبحت تحتوي على مشاهد عدوانية تزرع في عقل الطفل أن النصر لا يأتي إلا بإيذاء الآخر.
لقد أصبح الهاتف المحمول أخطر من أي سلاح حين يُترك في يد طفل بلا توجيه.
فبدلاً من أن يتعلم قيم التسامح والمشاركة، يتشرب أفكار السيطرة والانتقام، وتتشوه فطرته النقية.
ثالثًا: غياب القدوة وضياع المربي
الطفل في حاجة دائمة إلى من يوجهه بالحب والقدوة.
لكن حين يغيب الأب القدوة، والمعلم المربي، والإعلامي المسؤول، يصبح الإنترنت هو المربي الأول، والأصدقاء هم المرجع الوحيد.
وحين تكون القدوة فاسدة، يصبح الانحراف أمرًا طبيعيًا.
لقد قال أحد علماء النفس: "إذا لم نربِ أبناءنا اليوم، فسوف نُربي غدًا جيلًا يربينا بالقوة والعنف."
وهذا ما نراه في حوادث مؤلمة، يكون فيها الطفل المذنب ضحية قبل أن يكون جانياً.
رابعًا: الفقر والحرمان الاجتماعي
لا يمكن أن نفصل عنف الأطفال عن الواقع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه كثير من الأسر.
في الأحياء الفقيرة والمزدحمة، حيث يغيب الترفيه والتعليم الجيد، يتربى الطفل على مبدأ البقاء للأقوى.
فهو يرى في الشارع مظاهر العنف كل يوم: مشاجرات، ألفاظ نابية، بلطجة، وصراع من أجل لقمة العيش.
حين لا يجد الطفل ملعبًا ولا مكتبة، ولا يجد في مدرسته اهتمامًا ولا في بيته احتواءً، يفقد الإحساس بقيمة الحياة، ويتحول تدريجيًا إلى مشروع غضب وانفجار.
خامسًا: المدرسة.. بين التعليم والتربية
المدرسة ليست مكانًا لتلقين الدروس فقط، بل هي ميدان لتربية النفوس وصقل القيم.
لكن الواقع المؤلم أن كثيرًا من مدارسنا أصبحت بيئة للعنف، حيث التكدس، والإهمال، والتفرقة الطبقية بين الطلاب.
فقد غابت الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية التي كانت متنفسًا للأطفال، وأصبحت العلاقة بين الطالب والمعلم في كثير من الأحيان قائمة على الخوف لا على الاحترام.
إن التربية قبل التعليم، وإن المعلم الذي يزرع في طلابه الرحمة والانتماء يصنع جيلًا يحترم الحياة.
سادسًا: غياب التربية الدينية والأخلاقية
من أخطر أسباب العنف أن الضمير يغيب حين لا تُزرع القيم.
الدين الإسلامي الحنيف علّمنا أن الرحمة هي أساس كل علاقة، وأن النفس البشرية حرام قتلها ولو كانت نفسًا صغيرة.
لكن حين يُهمّش تعليم القيم في البيت والمدرسة والإعلام، يخرج الطفل لا يعرف معنى "حرام" أو "ذنب"، فيتعامل مع القتل وكأنه مشهد عادي في لعبة إلكترونية.
قال رسول الله ﷺ:
> "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء."
فأين نحن من هذا الخلق الرفيع؟
سابعًا : حلول المشكلة
لكي نحمي أطفالنا من هذا الانحدار، علينا أن نبدأ بثورة تربوية شاملة تشمل الأسرة والمدرسة والمجتمع:
1. تعزيز دور الأسرة في التربية بالحوار لا بالعقاب، وبالحب لا بالخوف
وعمل لقاء أسرى كل اسبوع والانصاتوجيدا" لكلام الأبناء والبنات
2. مراقبة المحتوى الإعلامي الذي يتعرض له الأطفال، ومنع الألعاب العنيفة.
3. إعادة إدخال القيم الأخلاقية والدينية في المناهج التعليمية بطريقة جذابة.
4. توفير الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال الذين يظهرون سلوكًا عدوانيًا، بدلًا من معاقبتهم فقط.
5. تشجيع الأنشطة الرياضية والفنية لتفريغ الطاقة السلبية في اتجاه إيجابي.
6. سنّ قوانين رادعة ضد العنف الأسري، وضمان حماية الطفل من الإيذاء داخل بيته أو مدرسته.
خاتمة:
إن الطفل الذي يرفع سكينًا في وجه زميله لم يولد قاتلًا، بل تعلّم القسوة من عالمٍ قاسٍ.
هو ضحية بيتٍ غاب عنه الحب، ومدرسةٍ غابت عنها التربية، ومجتمعٍ لم يمنحه الأمان.
وإذا لم نتدارك الأمر اليوم، فسنستيقظ غدًا على جيل لا يعرف للرحمة معنى، ولا للحياة قيمة.
فلنحافظ على الطفولة نقية كما خلقها الله،
ولنجعل من الرحمة والعطف أساس التربية، ومن الحب سلاحًا أقوى من كل عنف.
التعليقات الأخيرة