news-details
مقالات

الرمزية في الشعر: حين يتجه الخطاب نحو الروح

الرمزية في الشعر: حين يتجه الخطاب نحو الروح


تُمثّل الرمزية في الشعر ذروة النضج الفني والروحي، إذ ترفع اللغة من حدود التواصل المباشر إلى أفق الكشف والتجلي. فالشاعر حين يكتب بلغة رمزية يخلق عالماً موازياً تتسع فيه دهشة المعنى وتتحرر الكلمات من أسر الوصف لتصبح إشارات خفية إلى ما وراءها. الرمز يحمل جوهر التجربة، جسر يصل بين الظاهر والباطن، بين الحواس واللامحسوس. وحين يبلغ الشعر هذا المستوى يتحول إلى فضاء للروح تسبح فيه المعاني ككائنات نورانية تستدعي القارئ إلى التأمل والمشاركة الوجدانية، كما يقول جلال الدين الرومي في المثنوي: «نحن في بحرٍ من المعاني والكلمات سفنٌ تقلّنا إلى الشاطئ الآخر».

الرمزية تقدم المعنى في حالة انفتاح دائم، فهي تُلقي به في وعي القارئ ليعيد بناءه من داخله، ولهذا يظل النص الرمزي مفتوحاً على قراءات متعددة فكل قارئ يضيف إليه رؤيته الخاصة ويعيد إحياءه في ضوء تجربته فيتحول الشعر إلى طقس روحي يشارك فيه الشاعر والمتلقي معاً بحثاً عن المعنى الغائب.

الرمزية والفائض التأويلي: بول ريكور

يشير بول ريكور في نظرية التأويل: الخطاب وفائض المعنى إلى أن الرمز يقول أكثر مما يُقصد ويفتح أمام التأويل أبواباً لا نهائية، إذ يقول: «الرمز هو ما يُقال أكثر مما يُقصد ويُفهم أكثر مما يُقال». اللغة الشعرية في منظور ريكور تنفتح باستمرار على معانٍ جديدة تنبع من تفاعل القارئ مع النص فالكلمة تتحول من أداة تواصل إلى بوابة للانكشاف الروحي حيث يعيش القارئ لحظة تأمل تشبه الصلاة الداخلية وفي هذا التفاعل تتطهر الروح من ثقل المادة ويتحوّل الفهم إلى انخطاف وجودي نحو الجوهر فهذا الفائض الدلالي يجعل الرمز فيضًا من المعنى يتجاوز حدود اللغة ويُغري القارئ بالغوص في أعماقه.

الرمزية عند بودلير

أما شارل بودلير فقد جعل من الرمزية ثورة على الواقع المرئي ففي أزهار الشر يرى أن العالم مليء بالرموز التي تهمس للروح إن أُصغي إليها بعمق والقصيدة عنده مرآة للغيب والشاعر كائن يرى بالحدس أكثر مما يرى بالبصر. في قصيدة الألباتروس يتحول الطائر إلى رمز للشاعر المرهف الذي يضيق به العالم المادي فيما جناحاه رمزان لطموحه الروحي إذ يقول: «الألباتروس الذي يسخر منه البحارة في السفينة يصبح عاجزاً على الأرض لكنه في السماء ملكٌ يحلّق بجناحيه الواسعين». وفي الدعوة إلى السفر تغدو المرأة رمزاً للأفق البعيد والسفر رمزاً للرحلة الداخلية نحو الصفاء حيث يدعو: «تعالي يا حبيبتي إلى حيث لا يوجد شيء سوى النظام والجمال والترف واللذة». هنا يتجلّى الشعر كرحلة صوفية في أعماق الذات.

الرمزية في التصوف العربي والإسلامي

في التجربة العربية الإسلامية وُجدت الرمزية في قلب التصوف حيث تحولت اللغة إلى إشارات باطنية تفيض بالمعنى. عند الحسين بن منصور الحلاج يتوحد العاشق والمعشوق في كيان واحد فالفناء في الله رمز للتحرر من الذات إذ يقول: «رأيتُ ربّي بعين قلبي… فقلتُ: من أنت؟ قال: أنت» فتتحول الرؤية إلى فعل روحي يتجاوز الحواس ويصبح الخطاب موجهاً إلى الروح مباشرة. أما عمر بن الفارض في النونية الكبرى فيجعل الخمر رمزاً للعشق الإلهي يقول: «شربنا على ذكر الحبيب مدامة… سكرنا بها من قبل أن يُخلق الكرم» فالخمر تعبير عن نور يفيض في القلب والسكْر حالة حضور إلهي تتجاوز حدود العقل وفي مثل هذه النصوص تتجلّى الرمزية كتعبير عن شوق الروح إلى المطلق.

الرمزية عند أدونيس

عبّر أدونيس في زمن الشعر عن هذا البعد حين رأى أن الشعر الحقيقي يكشف عن طبقات اللغة الخفية فتتكلم الروح من خلالها إذ يقول: «الشعر هو الذي يجعل اللغة تكشف عن طبقاتها الخفية فتتكلم الروح من خلالها». القصيدة الرمزية كائن حي يتنفس بالمعنى وكل قراءة تُعيد فتح أفق جديد في وعي القارئ إنها مغامرة فكرية وجمالية تُحرّر الإنسان من ثبات اللغة ومن ضجيج الواقع ليصغي إلى الصوت الداخلي الذي يسكنه.

الرمزية في الشعر الحديث

في الشعر الحديث تتجاوز الرمزية حدود التصوف لتصبح أداة لمواجهة أزمات العصر فالشاعر يستخدمها ليحوّل الفوضى إلى نظام داخلي ويجعل الرمز مرآة للقلق الوجودي. عند ت. س. إليوت في الأرض الخراب يصبح النهر رمزاً للحياة المتدفقة وسط الخراب والطقوس القديمة رموزاً للبحث عن الخلاص إذ يقول: «أريكِ الخوف في حفنة من التراب». أما محمود درويش في مديح الظل العالي فيجعل الزيتون رمزاً للصمود والأرض رمزاً للهوية فالرمز هنا يحمل بعداً سياسياً وروحياً معاً يقول: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». الرمزية الحديثة تُعيد صياغة الواقع الممزق وتُحوّله إلى شهادة على الإنسانية فتظل الروح تتكلم من خلال الكلمات رغم صخب التاريخ.

الخاتمة

ما دفعني إلى هذا الموضوع هو رغبتي في توجيه القارئ نحو التوسع والتعمق في كلمات الشاعر فإن صاغ الشاعر الواقع كما هو فما حاجتنا إليه؟ الرمزية في كتاباتي الصوفية تهدف إلى استدعاء الروح للحوار وإيقاظ التأمل الداخلي واكتشاف المعاني الخفية فتتحرر الروح من قيود المادة وتلتقي بالكلمة في حضرة الجمال السرمدي كما أقول: «كل كلمة في قصيدتي بابٌ للروح وكل رمز دعوة للتحرر». أدعو القارئ إلى الصبر والغوص في طبقات النص كالصوفي في بحر الوجود ليجد في كل رمز دعوة للتحرر والانخطاف الروحي ، فحين يدرك القارئ أن الخطاب الشعري موجّه إلى الروح يبلغ ذروة الفهم الجمالي فالنص الرمزي يتحول عندئذ إلى صلاة صامتة يتطهّر بها القلب من فوضى العالم كما يصف ابن عربي في الفتوحات المكية: «القلب مرآة للحق والكلمة نور يُضيء فيه». الكلمات تتوهج كأنها نسغ يتدفق من شجرة المعنى والقصيدة تصبح طريقاً نحو السكينة حيث تتوحد اللغة بالروح في لحظة صفاء مطلق هذا هو جوهر الشعر فعل وجودي يضيء الكينونة من الداخل ويعيد للإنسان توازنه الروحي أمام صخب العالم.

 د.آمال بو حرب
باحثة وناقدة

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا