العراق بين جغرافية الفرصة وفخ التبعية: تشريح تعطيل ممرات المواصلات الكبرى
العراق بين جغرافية الفرصة وفخ التبعية: تشريح تعطيل ممرات المواصلات الكبرى
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
لطالما مثّلت جغرافية العراق، بوصفه نقطة الالتقاء المحورية بين آسيا وأوروبا، ركيزةً استراتيجيةً للتنمية، تجاوزت أهميتها الثروة النفطية. وقد تجسد هذا الطموح في مشاريع وطنية كبرى، أبرزها ميناء الفاو الكبير و "طريق التنمية" الممتد شمالاً نحو تركيا. غير أن الواقع المرير يكشف أن هذه المشاريع، بدلاً من أن تكون قاطرة للازدهار، أصبحت مسرحاً مكشوفاً لأزمة عميقة في القرار السيادي، حيث تحولت الإرادة التنموية إلى رهينة لـ "أجندات النفوذ" التي تهدف إلى إدامة التبعية وإضعاف القدرة التنافسية للدولة.
إنَّ التأخير المُتعمَّد في إنجاز ميناء الفاو، الذي امتد لأكثر من عقد ونصف، ليس مجرد خلل إجرائي؛ بل هو دليل مادي على غياب الإرادة السياسية الحقيقية للإنجاز. هذا الجمود الممنهج أدى إلى تضييع فرص تاريخية، أبرزها تراجع مكانة العراق المحورية في مبادرات دولية كبرى مثل "الحزام والطريق" الصينية، بعدما تم إجهاض العروض الجادة عبر ضغوط إقليمية وداخلية. هذا الإجهاض لم يكن وليد الصدفة، بل جاء لضمان منع العراق من امتلاك بنية تحتية سيادية منافسة يمكن أن تضع حداً لاحتكار الممرات والموانئ في الإقليم. لقد تحولت المشاريع من أدوات لبناء الثروة إلى قنوات لاستنزاف الموارد عبر الفساد الذي تخدمه الأحزاب المتحكمة، مما رفع تكلفتها وخفض جدواها.
لقد أكدت التداعيات الأخيرة صحة هذا التحليل. ففي الوقت الذي كان العراق يجهر فيه إعلامياً بـ"طريق التنمية" كبديل لا يُضاهى، جاءت "رياح" الواقع الإقليمي بما لا تشتهيه "سفينة" العراق العالقة. إعلان تركيا عن إطلاق "ممر الشرق الأوسط" عبر سوريا والأردن لتأمين النقل البري السريع إلى الخليج هو بمثابة خصم رسمي ومُبكر لحصة طريق التنمية في سوق الشاحنات المربح. هذا الممر البديل يؤكد أن الفاعلين الإقليميين قد تجاوزوا مرحلة انتظار القرار العراقي المعطَّل، ليفرضوا واقعاً جغرافياً جديداً يهدد بتحويل مشروع التنمية إلى مجرد طريق سككي بطيء ومُكلِف، مما يقلص العوائد المتوقعة ويؤكد خسارة العراق لحصته التنافسية.
في الختام، فإن أزمة المواصلات في العراق هي انعكاس لأزمة "البقاء في السلطة" مقابل "بناء الدولة". إن الأجندات التي تعمل على إدامة التبعية تتطلب إبقاء العراق في حالة عجز اقتصادي دائم وديون متراكمة، لضمان سهولة السيطرة على قراره واستمرار تبادل الأدوار بين الفئة السياسية المهيمنة. هذه السياسات، التي تضرب التنمية وتُعطِّل البنى التحتية، تساهم في إنحدار الوعي المجتمعي وإضعاف القدرة على المطالبة بالبديل. إن إنقاذ العراق من هذا المصير لا يكمن في إصلاح تقني للطرق، بل يبدأ بـ استعادة الإرادة السيادية وتحرير الدولة من مخططات النفوذ التي حولت جغرافية الفرصة إلى فخ للتبعية.
التعليقات الأخيرة