في الماضي والاثر !
حسين الذكر
كلما تحدث احد من اسرتنا بانه قد حلم حلما ما .. وقبل ان تعرف امي اي شيء عن تفاصيل ذلك الحلم المدعى تبادر بالقول : ( حلم خير على ما قال النبي ص ).. واذا ما ثبت لها ان الحلم يحمل نسبة من تشاءم ما وفقا لتفسيرها تامرنا فورا بالذهاب الى الحمام وروايته مع النفس اعتقادا منها بان ذلك سيبطل شروره .. قطعا ان امي - رحمها الله - لم تستند الى اي معلومة علمية في ذلك لكنها تلقفته وراثيا من بيئات عاشتها واعتقاد تؤمن به بفطرة سليمة ظلت تتعايش وتعيش ذلك الاثر الذي يظهر عليها بمختلف جزيئيات حياتها ان كان الحلم خيرا او شرا .
قبل ثلاثة عقود وفي احدى الجلسات الخاصة طرحنا راي عالم المستقبليات ريتشارد بيل الذي قال : ( ان المستقبل ليس سهما سماويا يتخطى المسافات بل هو واقع نؤسس له الان لما نريد في المستقبل ) .. وقد اعجبت بالتعريف حتى اسهم بفتح بعض مداركي واخضعته لتساؤلات عدة .. فقال احدهم معقبا : ( ان الجمود الفكري احادي الجانب مع الوضع الشمولي حتما يولد عدم قدرة الافصاح عما يجيش بالخواطر وسيؤدي حتما الى امراض نفسية لا يملك العقل قدرت شفاؤها ) .. فيما قلت : ( ان العالم لا يمكن ان يُحكم بالمنطق الرياضي فمن الناحية النظرية الارقام صحيحة الا ان التطبيقات الخاضعة للبيئة والواقع المتحكم بمصائرنا لا يمكنه الصمود بوجه التوالدات المستقبلية التي نسميها جهلا بالنتائج ) .
حينها قرا احدهم قول لفيكتور هيجو جاء فيه :
( إذا حدث وأعقت مجرى الدم في شريان فستكون النتيجة أن يصاب الإنسان بالمرض، وإذا أعقت مجرى الماء في نهر فالنتيجة هي الفيضان، وإذا أعقت الطريق أمام المستقبل فالنتيجة هي الثورة ) .
كنا طلاب في المتوسطة التي كانت تبعد عن دارنا اربعة كيلو متر واغلب الاحيان نذهب اليها - مع زملائي - مشيا على الاقدام ذهابا وايابا .. لم نشعر يوما بالتكاسل او نبدي الضجر من طول ومشقة الطريق .. كما يحدث الان اذ اغلب الطلبة اما في خطوط باصات جماعية او دراجة بخارية او هوائية - باقل تقدير- .. وقد شاءت المصادفة انذاك صعودنا في باص مصلحة الركاب الذي كان وسيلة نقل شائعة متيسرة بتكاليف زهيدة .. جلسنا اربعة اصدقاء بمقعدين كي لا نضطر دفع اجرة اربع مقاعد وجلس بقربنا رجل دين كبير السن فسالنا ملاطفا عن امنياتنا المستقبلية . فقال احدنا ساكون طبيبا والاخر مهندسا والاخر ضابط .. ولما توجه بسؤاله لي ، قلت بعفوية : ( لا ادري كله بيد الله – كان عمري حينها ثلاثة عشر عام -) . فقال الشيخ : ( احسنت ، فعلا .. وما تشاؤون الا ما يشاء الله ) .
في الطفولة ثم في البيئة لم يثبت عندي اي شكل من الاشكال ما يمكن عده قاعدة علمية راسخة ممكنة التعميم بان بدايات التعلم المهني تؤدي الى الابداع في ذات المهنة مستقبلا فضلا عن نجاحها حتى نهاية المشوار .. فلطالما تعرفت على اولاد اسر من جيراننا واصدقائنا في العمل القسري ( الفقرائي ) وكذا الدراسة التعليمية الكثير ممن بدؤا بعمل ما وانتهوا لغيره .. وكذا في الابتدائية مع كل الملاحظات التقييمية التي ظهرت ابداعية لدرجة الاعجاز لدى بعض الطلبة او تلك التي كانت تؤشر خلل ما وقلة فهم حد الغباء احيانا عند اخرين ممن شاركونا ايام الطفولة والصبا حتى الشباب .. لم اجد اي قاعدة علمية او مهنية تثبت كيفية الترقي فيها لمناصب ومراتب ومنزلة الحياة .. فقد كان الاثر السياسي ومصادر القوة الاخرى المعتادة اجتماعيا وربما الحظ اثر كبيرا في اعادة جدولة الترتيب في ( الترقي وتطويع الواقع اكثر من اي اثر مهاري او قيمي او علمي آخر ... بما يمكن ان نسميه خرق تام لموروثات قيم الابداع والاجتهاد .. وذلك قطعا ليس مطلقا لا بسلبه ولا ايجابه لكن اتحدث عن اكثرية وربما خروقات ما تفضح عدم اثبات القاعدة الاساسية في الترقي والمضي قدما ).
كثيرون بل بما لا يعد من اصدقاء العمر ( علي وعمر وخالد وباقر وجورج وفرقد وسرمد وشمخي وما شاء الله ... ) لم ار احد منهم بدأ طفولته بخط ما وانتهى فيه بمقتبل العمر وحتى محطاته الاخيرة .. فقد كان التقلب السياسي والتذبذب الاقتصادي هو السمة الاساسية للمجتمع وانعكاسها على الفرد قائم على قدم وساق بل هناك الكثير من الاذرع التي تسهم في تحديد مصائر الافراد دون ان يكون لها علاقة بؤسس الماضي او عقلنة المستقبل .
في التسعينات كان صديقي الفيلسوف ( طه عبد هارف ) رحمه الله لا يفكر ولم يتنبيء يوما بانه سيموت بعيدا عن وطنه الذي حبه حبا جما بل قدمه على ذاتياته .. وكان يحدثنا انذاك عن الجوع والفقر المجتمعي لاغلب طبقات الشعب في الاربعينيات والخمسينات والستينات من القرن المنصرم قائلا : ( كنا وامي ننام احيانا بلا لقمة طعام وانه شاهد امه تبكي مرار وهي تدور بالمجرشة لساعات طويلة من اجل طحن ( كغم واحد من الشعير ) لتامين قرص خبز واحدة لنا جميعا ) . وكانت تردد بنواح حزين مؤلم ابيات الشاعر العراقي الشهير ملة عبود الكرخي ( ذبيت روحي على الجرش – وادري الجرش يؤذيها --- هم هاي دنيا وتنتهي -- واحساب اكو تاليها )..
يضيف صديقي الذي مات ودفن في امريكا بحالة اغتراب حزين : ( ان حال امي والفقر الذي كنا نعيشه اسس لجميع روافد الحزن الذاتي في داخلي عن كوني اشهد ان اول استاذ في فلسفتي كانت هي امي والفقر والتفاوت الطبقي السائد فضلا عما اعيشه من مستقبل لا يمت للماضي باي صلة ) .!
التعليقات الأخيرة