حين يعود الضوء إلى العيون
حين يعود الضوء إلى العيون
بقلم/نشأت البسيوني
ليس الضوء ما يضيء الطريق بل ما يضيء القلب فحين يشفى القلب ترى كل شيء بوضوح من جديد
حين يعود الضوء إلى العيون لا يكون عودة عادية كما يتخيل الناس
بل هو عودة الروح بعد غياب طويل في دهاليز التعب
هو تلك اللحظة التي تنطفئ فيها الفوضى داخلك
فتكتشف أن كل ما كنت تراه ظلاما كان في الحقيقة غبارا على مرآة قلبك
كم مرة خيل إليك أنك انتهيت
أنك فقدت قدرتك على الفرح وأن الأيام لم تعد تزهر في صدرك
كم مرة أغمضت عينيك من الوجع لا لأنك ضعيف
بل لأنك لم تعد تعرف كيف تواصل النظر إلى ما يرهقك
ثم فجأة ودون موعد يعود الضوء
يعود في كلمة صادقة في دعوة خفية في لحظة صفاء لا تشبه شيئا
حين يعود الضوء إلى العيون
تشعر كأنك ولدت من جديد على مهل
كأن الله يعيد ترتيبك من الداخل
كأنك كنت مكسورا فأعادك على هيئة إنسان أكثر لينا
وأكثر فهما للحياة وأكثر رضا بما كتب لك
الضوء لا يعود صدفة
بل يعود حين تتوقف عن مطاردة الظلام
حين تكف عن لوم الآخرين وتبدأ بمصالحة نفسك
حين تفهم أن الشفاء لا يأتي من الخارج
بل من داخل روح قررت أن تسامح ما لا يفهم
وأن تمضي دون انتظار اعتذار من أحد
يعود الضوء حين تدرك أن الحياة لم تكن ضدك يوما
بل كانت تهذبك لتراك أجمل
تثقلك بالتجارب لتجعلك أكثر عمقا
تأخذ منك لتريك كيف تقدر ما تبقى
فما خسرته بالأمس لم يكن خسارة
بل درسا على هيئة وجع نبيل علمك كيف تختار ذاتك أولا
حين يعود الضوء إلى العيون
تبدأ تبتسم بلا سبب
تحب الصباح كما لو أنك تراه لأول مرة
تصغي لصوت الريح وكأنه موسيقى خفية
وتشعر أن قلبك رغم كل ما مر به ما زال قادرا على النبض
تدرك أن الجمال لم يغب عن الدنيا
بل غبت أنت عنه حين أغلقت نوافذك خوفا من العاصفة
الضوء يعود حين تقر في داخلك أن ما مضى قد انتهى
وأن لا فائدة من استرجاع ما رحل
حين توقن أن الله لم يكتب شيئا عبثا
وأن كل انكسار كان يمهد لنهضة جديدة فيك
يعود الضوء حين تفهم أن الحب لا يختصر في وجه غادر
ولا الأمان في يد انسحبت
بل إن الأمان الحقيقي في قلب يعرف أن الله لا يخطئ
وفي لحظة واحدة بعد ليل طويل من التيه
تشعر أن كل شيء عاد إلى مكانه الصحيح
أن روحك هدأت وعقلك تصالح
وأنك تنظر إلى المرآة دون خوف من ملامحك المتعبة
لأنك تراها أخيرا جميلة كما هي
مليئة بالتجارب لكنها ما زالت تضيء
حين يعود الضوء إلى العيون
تفهم أن الحياة ليست سباقا ولا الناس درجات
بل رحلة طويلة من الفقد والرجاء
من السقوط والقيام من الوجع والنجاة
وأن أجمل ما فيك ليس ما تملكه
بل ما نجوت به دون أن تفقد إنسانيتك
وحين تنظر إلى السماء في نهاية اليوم
وتدرك أنك رغم التعب ما زلت قادرا على الشكر
فذلك هو النور الحقيقي الذي لا يطفأ
نور الرضا ونور السلام ونور الإيمان
فمهما اشتد الظلام
سيعود الضوء إلى العيون
لأن الله لا يترك قلبا صدق في بحثه عنه
ولا روحا تاهت إلا وأعادها بنوره من جديد
التعليقات الأخيرة