حين يدفن القلب تحت رماد الحكايات
حين يدفن القلب تحت رماد الحكايات
بقلم/ناني عادل
في لحظة لا يشبهها شيء شعرت أن صدري أصبح مقبرة صغيرة وأن النبض الذي كان يركض كحصان بري في تضاريس أيامي قد توقف فجأة كأنه أدرك أن الطريق لم يعد طريقه وأن العودة ليست خيارا هناك في أعماق تلك اللحظة ولدت من جديد لكن دون قلب
لم يكن موت القلب حادثة عابرة بل كان رحلة طويلة من الخيبات ومواسم من الطعنات وحقولا ممتدة من الانتظار الذي جف حتى صار كالحطب كان يموت كل يوم موتا صغيرا ثم يعاد إلى الحياة على أمل أن يلمسه دفء ما أو يربت عليه صوت يعرف معناه لكنه لم يجد سوى الرياح حتى جاء يوم حمل آخر رمق فيه ووضعه بين كفين مرتجفتين كمن يسلم أمانة فقدت قيمتها ثم سلمه للتراب
دفنت قلبي بيدي
لم ينتحب أحد لا الأرض صرخت ولا السماء أسدلت ستارا من الحزن ولا الطيور توقفت عن تحليقها لتودعه وحدي أنا وقفت فوق ذلك الغياب أحاول أن أستوعب أن شيئا كان سبب ضعفي وقوتي سبب فرحي وبكائي قد غاب دون أن يلتفت وضعت فوقه حفنة تراب وحفنة ذكريات وحفنة أسماء كانت يوما تشعل مدنه بالضوء ثم أطفأت كل شيء ورحلت
منذ ذلك اليوم لم يعد يغريني الحديث عن الحب ولا أجد معنى للوعود ولا أهتز لكلمات كانت تربكني وتفرحني وتؤلمني في الوقت ذاته صار داخلي فراغا رحبا يتسع كلما حاول أحدهم طرق بابه ربما لأن القلب كان الجندي الوحيد الذي يعرف كيف يحرسني ولما سقط ترك من خلفه مدينة بلا جدران
أحيانا أمشي في الطرقات فأرى الناس يحملون قلوبهم مثل أطفال مدللين يخافون عليهم من الجرح من الكسر من الخذلان فأبتسم بسخرية هادئة لا يعرفون أن القلوب لا تموت مرة واحدة بل تموت كلما صدقت ما لا يجب تصديقه وكلما انتظرت من لا يأتي وكلما سامحت من لا يستحق وكلما فتحت أبوابها لطارق لا يعرف قيمة الدخول
وكم من مرة جلست مع نفسي أتساءل
هل كنت قاسيا حين دفنت قلبي
أم كنت رحيما به حين أنقذته من حياة لا تشبهه
هل كان يستحق أن يعيش أكثر أم كان الموت خلاصه الوحيد
لكني كلما حاولت الإجابة اكتشفت أن السؤال لم يعد مهما ما يهم حقا أني تعلمت بعد دفنه أن أعيش بظلال الأشياء لا بأعماقها أن أرى العالم من بعيد دون أن أغوص فيه وأن أُمسك حياتي بأصابع العقل لا بخفقة نبض
ومع ذلك لا أنكر أن الليل يفضحني أحيانا في لحظات الصمت حين تختفي الأصوات ويبرد الهواء أشعر بشيء يشبه الخفقة القديمة كأن القلب رغم دفنه ما زال يبحث عنى من تحت التراب أو يرسل لي رسالة متأخرة تقول
ما زلت هنا وإن مت
لكني أتجاهله
ليس لأني لا أريده بل لأن العودة باتت مستحيلة فالقلوب التي تدفن لا تستعاد والنبض الذي يتوقف لا يسمع موسيقى الحياة مجددا كل ما يمكن فعله هو أن أُكمل طريقي أزرع عقلي في صدري مكانه وأمشي بخطوات ثابتة لا تتعثر بعاطفة ولا تتوقف عند باب
لكن الغريب
رغم كل ما قلته ورغم كل ما دفنته أشعر أحيانا أن القلب لم يمت بل نام وأن يدا ما ربما يد القدر أو يد صدفة جميلة قد توقظه يوما من تحت التراب يوم لا أعرف متى يأتي ولا أعرف إن كنت أريده أن يأتي لكني لا أملك سوى أن أترك الحياة تقرر
إلى أن يحدث ذلك سأبقى كما أنا
جسدا يتحرك وصوتا يكتب وروحا تتنفس
لكن القلب
القلب مات ودفنته
وتركته هناك بين حكاياتي التي لم تنته بعد
التعليقات الأخيرة