تحت التراب حين نام القلب بلا وداع
بقلم/ناني عادل
منذ زمن ليس ببعيد أدركت أن القلب ليس عضوا ينبض فقط بل كائن هش طفل يركض وراء الأمل مهما كان بعيدا ويعود كل ليلة بثياب مبللة بالخيبات وحين طال الركض وحين أثقلت الجروح كتفيه توقف فجأة ثم سقط لم يمت في لحظة بل مات جزءا بعد جزء حتى صار صمتا داخل صدري لا يسمع ولا يلبي ولا يعترض عندها فقط عرفت أن النهاية قد جاءت وأنه حان وقت دفنه
مشيتُ به إلى مقبرة داخلية لا يراها أحد حفرت حفرة صغيرة بيدي المرتعشتين وضعت فيها نبضه الذي تعب وخفقاته التي أتعبتني وأنفاسه التي كانت تتسارع لأجل من لا يستحق كان صامتا كمن قرر أخيرا أن يستريح لم أسمع بكاء لم يتدفق أي ضوء لم يرف جناح ملاك فقط طين يغلق على حكاية انتهت
دفنت القلب لكن الدفن لم يكن نهاية الألم فقد ترك خلفه فراغا واسعا غرفة مظلمة في صدري تتردد فيها صدى الأسئلة
كيف يدفن شيء كان سبب حياتي
وكيف أعيش بعده وأنا أعرف أن ما يسكنني الآن ليس قلبا بل صدى قلب
صرت أتحرك بثقل غريب كأني أحمل داخلي مدينة مهدمة الوجوه التي كانت تبهرني لم تعد تعنيني والكلمات التي كانت تهزني لم تعد تصل إلي صرت أرى الناس يحبون يغارون يشتاقون وينكسرون فأشعر كأني أراقب فيلمًا بلا صوت شيء ما انقطع بيني وبين العالم شيء لا يصلح بخيط ولا يلتئم بوقت
ومع ذلك أعترف أن الليل يخدعني أحيانا حين يهدأ كل شيء وحين تغفو الضوضاء أضع يدي على صدري فأشعر برعشة خفيفة كأن القلب تحت التراب ما زال يطرق الباب كأنه يهمس
أنا لم أمت فقط نمت انتظرني
لكني أتجاهل الهمس ليس كبرياء بل خوفا
أخشى أن يعود فينكسر مرة أخرى
أخشى أن ينهض ويقودني إلى الطرق ذاتها التي دفنته بسببها
أخشى أن أعيد حماقاته وأمنحه لمن لا يعرف قيمته فأُعيد دفنه من جديد
عدا أني لم أعد الشخص ذاته صار عقلي هو الحارس وصار حذري هو السور وصارت ذاكرتي دفترا يكتب على غلافه لا تقترب إلا إن كنت صادقا
لكن الحقيقة التي لا أستطيع الهرب منها هي أن القلب مهما دفن يظل جزءا منا لا يختفي لا يتحلل يبقى هناك تحت التراب يتحين لحظة تعيده إلى الضوء ربما بصدفة ربما بكلمة ربما بوجه يمر دون قصد فيفتح بابا أُغلق منذ زمن
وحتى يأتي ذلك الوجه أو لا يأتي
سأعيش كما أنا الآن
أتنفس بلا نبض أكتب بلا دمعة وأمشي بخطوات بلا خوف ولا شغف
لأني أعرف الحقيقة المرة
هناك في داخلي قبر صغير
وفيه قلب مات ودفنته
وتركت فوقه شاهدة تقول
هنا يرقد من أحب أكثر مما يجب
التعليقات الأخيرة