حين تُضِيء الرائحة قلباً… وتمطر بغداد
كتب رياض الفرطوسي
في هذا الصباح البغدادي المبتلّ، حين تتدلّى خيوط المطر مثل سبحاتٍ زرقاء من يد السماء، أدركتُ أن للقلوب طقوساً مائية خفية. بعضها يتفتّح بمجرد لمسة مطر على نافذة، وبعضها يتقشّر، وبعضها—للأسف—يفوح بما حاول إخفاءه طويلًا.
فالرائحة، ليست حكراً على الورد والبهارات والمكتبات العتيقة . القلوب أيضاً تُصدر بخورها الخاص: بخور يشي بما لا يجرؤ اللسان عليه.
في بغداد الآن، بينما تغسل السماء أكتاف الشوارع، تمرّ أمامي قلوب كثيرة. قلوب تشبه المطر الأول: تهطل باندفاع، وتُبَلِّل روحك قبل أن تفهم ما حدث. وقلوب أخرى مثل ماءٍ راكدٍ في زاوية مظلمة، رائحته خفيفة في البداية، ثم لا تلبث أن تفضح ضوءها المعطوب.
هناك قلوبٌ إن اقتربت منها شعرتَ بأنك دخلت دكاناً صغيراً في شارع الرشيد، يغمرك فيه خليط قهوة معتّقة وتبغ خفيف، فتنتشي بلا سبب. وقلوب أخرى تشبه صحن بهار هنديّ؛ نخسة واحدة منها كافية لفتح كل نوافذك أو إحراقها دفعة واحدة.
وأعجب القلوب تلك التي تقترب منك بعبقٍ مدهش، يشبه زخة مطرٍ خفيفة فوق الرصافة. تظنها نقية، حتى يشرق عليها نهار الحقيقة، فتتبخر العطور الطارئة وتفوح فجأة رائحة الخديعة: رائحة لا تشبه شيئاً سوى حقيبة سفر قديمة امتلأت بأسرارٍ رطبة.
وهناك قلوب لا تحمل رائحة واحدة، بل ألفاً: رائحة المرض حين تتعب، رائحة الصبر حين تنكسر ولا تعترف، رائحة الحزن الذي يلوّح لك كي تشاركه عزلته، ورائحة الفرح الساذج الذي يعلّمك كيف ترقص فوق رصيفٍ مبتلّ.
وبين كل هذا، ثمة قلب نادر… قلب بلا مبالغة رائحته مثل أذرع جدةٍ عراقية: مزيج من الحناء والسدر. قلب يُسكّن رعشة روحك دون خطاب، ويحنو عليك كأنك آخر ما تبقّى لها من العالم. قلب لا يخدع، ولا يطالب، ولا يساوم. فقط يجلس قربك مثل مدفأة صغيرة في مساء شتائي، ويتركك تتنفّس.
وللدهشة، ثمة قلوب لا تريد أن تكون صاخبة أصلًا. رائحتها كالمطر الناعم الذي لا يسمعه أحد لكنه يبلل الجميع. قلوب تحضنك دون أن تقترب… تُصلّي لك دون أن تعلم… وتضيء لك طريقاً من دون أن تُظهر فانوسها.
بينما تغيّر بغداد قميصها المبتلّ، أفكّر: كيف ننجذب أحياناً إلى روائح عابرة، تشبه قاعات المطارات—لامعة، مؤقتة، سريعة الزوال—فنظنها قدَراً . ثم يمضي الوقت ونكتشف أننا لم نُحبّ إلا صدفة عابرة، وأن ما يبقى فعلًا هو أثرُ الرائحة في الذاكرة، لا الرائحة نفسها.
ربما المطر وحده يفهم سرّ القلوب: بعضها يصفو بعده، وبعضها يفيض، وبعضها يكشف ما كان مستوراً. وما بين هذا وذاك، نمشي نحن بمحاذاة الروائح، نحاول أن نختار قلباً لا يتعفن عند أول شمس، ولا يتبخر عند أول دمعة.
نختار… قلباً له رائحة حياة. رائحة تُشبه بغداد حين تمطر.
التعليقات الأخيرة