على حافة قلب لم يجد من يعيد نبضه
بقلم/نشأت البسيوني
هناك رجال لا يشبهون أحدا في حزنهم رجال يسيرون في الحياة بخطوات هادئة ولكن داخلهم ضجيج لا يصمت كأن كل خطوة في يومهم تمر فوق ذكرى لا تزال ساخنة وهذا الرجل بطله الحقيقي قلب عاش عمرين يبحث اليوم عن راحة لم يتذوقها منذ رحلت المرأة التي كانت تشبه شمسا تشرق في داخله قبل أن تشرق على العالم حين كان الحب بيتالم يكن حبه القديم قصة عابرة كان حياة
كاملة حياة تتشكل من ضحكة ومن كلمة ومن نظرة كانت تلمس روحه قبل أن تلمس وجهه لم يكن يرى فيها مجرد امرأة بل كان يرى صورة نفسه كما يتمنى هادئا مطمئنا خفيف القلب قادرا على الابتسام حتى في عز التعب كانت تجيد أن تخفف عنه بحضورها وكأن العالم يتسع لهما حين تجلس أمامه وكان يظن أن كل الطرق ستقودهما معا إلى النهاية نفسها حتى جاء الموت وغير الخريطة
كلها وترك قلبه يبحث عن نقطة يبدأ منها ولم يجد رحيل لا يناسب العمر كان يدرك أن الموت قدر لكنه لم يتصور يوما أن القدر سيضربه بهذه القسوة ولم يكن الوجع في رحيلها فقط بل في اللحظة التي أدرك فيها أن العالم مستمر وأن عليه أن يستمر أيضا حتى وإن لم تكن خطوة واحدة في طريقه تشبه الخطوة التي كان يمشيها وهو ممسك بيدها رحلت وبقي هو وبقيت معه الأماكن التي
حفظت صوتهما والطريق الذي عرف خطوتهما والرسائل التي فقدت صاحبها وتحول قلبه إلى صندوق صغير يحمل داخله عمرا لا يشيخ لكنه يتعب محاولة البداية من جديد لم يكن من النوع الذي يستسلم للحزن حاول أن يعود للحياة حاول أن يفتح بابا جديدا لقلبه حين دخلت تلك المرأة الأخرى حياته كانت صادقة ومحبة ولم تذنب في شيء كانت تحاول أن تمنحه ما ظنت أنه يحتاجه اهتمام
وجود دفء وربما بداية لكنه كان يشعر دون أن يقصد أن قلبه يناقضه يوما يقترب ويوما يختبئ يوما يبتسم لها ويوما ينظر لوجهها كأنه يبحث فيه عن ظل امرأة رحلت لم يكن عادلا معها ولم يكن قاسيا عليها هو فقط كان رجلا يقف في منتصف الطريق شيء يدفعه وشيء يشده للخلف وبين الاثنين كان يتعب أكثر من قدرته على الكلام القلب الذي لا يرتاح الراحة الحقيقية ليست في وجود
شخص جديد بل في غياب الألم القديم ورغم كل محاولاته كان يشعر بأن شيئا ما ينقصه شيء لا يراه أحد ولا يستطيع هو تفسيره كانت المرأة الجديدة تظنه قليل الكلام وهو في الحقيقة كان كثير الصمت كان يضحك مجاملة ويبتسم كثيرا كي لا يراها تتأذى لكنه كلما عاد إلى وحدته شعر أنه يعيش خارج جسده كأن قلبه يسير في مكان وروحه تسير في مكان آخر وأكثر ما كان يقتل راحته هو ذلك
الشعور الدائم بأنه لا يشبه نفسه معها كأن الرجل الذي كان مع الراحلة لم يعد موجودا أو كأن الحاضر لا يعرف كيف يعامل الرجل الذي حمل حزنا ظن أنه قادر على دفنه المقارنة التي لا يقصدها لم يكن يقارن بينهما ولم يكن يريد أصلا أن يقارن فالراحلة لم تعد في الدنيا والحية تقف أمامه بيد ممدودة لكن القلب بطبيعته لا يفهم المنطق ولا يتعامل بعدل كان يراها طيبة ويحترم وجودها ولكنه
يعرف تماما أن الطيبة وحدها لا تكفي لتهدئة قلب عاش قصة واحدة طوال عمره وكان يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من فقدها لأنه يعرف أن قلبا مثله قد يبدو معها حاضرا لكنه ليس حاضرا بالكامل الليل ساعة الاعتراف كان الليل يمحو كل محاولاته ويكشف كل ما يخفيه يجلس وحده يتذكر تفاصيل لا يقصدها يسمع صوتا لم يعد موجودا إلا في ذاكرته ويبكي بصمت لا يسمعه أحد لم يكن
يبكي على الراحلة فقط بل يبكي على نفسه أيضا على الرجل الذي يحاول أن يحب مرة أخرى لكنه لا يجد بداخله المساحة التي تكفي كان يشعر أحيانا بأنه يخون نفسه ويخون المرأة الجديدة ويخون الماضي ويخون ما تبقى من أيامه وكان هذا الشعور وحده كفيلا بأن يسرق منه النوم جرح لا يريد أن يكبر ولا يريد أن يلتئم من أصعب أنواع الوجع أن تحمل جرحا لا يؤذيك بما يكفي كي تتخلص
منه ولا يلتئم بما يكفي كي ترتاح كلما حاول أن يمضي خطوة سحبه الألم خطوة أخرى وكلما حاول أن يحب بصدق ذكره قلبه بأن الحب الحقيقي يحدث مرة واحدة فقط في العمر لكنه رغم كل شيء كان يريد أن يحاول لا يريد أن يبقى أسيرا للفقد ولا يريد أن يعيش عمره على ذكريات لا تشبع حاضرا الحقيقة التي يهرب منها الحب القديم لم يمت لكنه لم يعد مناسبا لكي يعيش معه العمر كله
والحب الجديد لم يفشل لكنه يحتاج قلبا كاملا لا نصف قلب ولا قلبا مقسوما بين زمنين كان يعرف أنه ليس سيئا ولا خائنا ولا باردا هو فقط رجل لم يجد بعد الراحة التي تشبهه الراحة التي عرفها مرة واحدة وضاعت منه فجأة النهاية التي لم تكتب بعد هو لا يريد أن يترك المرأة الجديدة ولا يريد أن يظلمها ولا يستطيع أن يدفن ذكرى الراحلة ولا يستطيع أن يحملها فوق ظهره أكثر مما يحتمل كل ما
يريده هو يوم يستيقظ فيه دون حنين يخنقه ويوم لا يشعر فيه بأن قلبه ثقيل كما لو أنه يحمل تاريخا كاملا على كتفيه ويوم يستطيع فيه أن ينظر للمرأة التي معه فيشعر بأن الحياة تريد أن تعطيه شيئا لا أن تذكره بما أخذته منه ربما يجد الراحة يوما ما وربما يظل يبحث عنها العمر كله لكن المؤكد أنه حتى هذه اللحظة لا يزال يقاوم بصمت رجل يعرف قيمة الحب ويعرف قيمة الفقد ويعرف أن أصعب معركة يخوضها الإنسان هي المعركة التي لا يراه فيها أحد
التعليقات الأخيرة