news-details
مقالات

حين يشتعل الغضب… تحترق القيم قبل الأماكن

حين يشتعل الغضب… تحترق القيم قبل الأماكن


بقلم: هبة هيكل

تبدأ معظم الأزمات الكبيرة من موقف صغير يُساء التعامل معه، فتتراكم الانفعالات، ويغيب صوت العقل، ويصبح الجميع خاسرًا. وهذه القصة واحدة من تلك النماذج التي تكشف كيف يمكن لظلمٍ من جانب، واندفاعٍ من جانب آخر، أن يصنعا مأساة لا حاجة لأحدٍ إليها.

تفاصيل الواقعة

في قرية تحدي، مركز الباجور، بمحافظة المنوفية، وبعد طلاقٍ بين زوجين، امتنَع الزوج عن إعطاء مطلقته حقوقها الشرعية، فلجأت إلى القضاء لتحصيل ما شرّعه الله لها وما أثبته القانون. صدر الحكم لصالحها بتسلّم منقولاتها من مسكن الزوجية، وانتقل المحضر ورجال الإدارة وبعض أفراد الشرطة لتنفيذ القرار. ولكنّ المفاجأة كانت صادمة: المنزل خالٍ من كل المنقولات.

المشهد زاد غضب أسرة الزوجة، وشعروا بأن حق ابنتهم يُهدر عمدًا، وأن الحكم القضائي يُفرغ من مضمونه. لكنّ غضبًا بلا روية قادهم إلى الخطأ الأكبر؛ إذ أقدم بعض إخوتها قبيل الفجر على إشعال النار في محلّ يخصّ أسرة الزوج، لتوثّق كاميرات المراقبة الواقعة، ويُقبض عليهم بفضل سرعة تصرف رجال الشرطة البواسل، ويودَعوا الحجز. ومن هنا، نشيد بشجاعة وتفاني رجال الشرطة الذين تحركوا بسرعة وصرامة لضبط الجناة والحفاظ على الأمن.

بين خطأ الامتناع… وخطيئة الانتقام

امتناع الزوج عن تسليم الحقوق الشرعية والقانونية أمر غير أخلاقي، ولا يرضاه الشرع ولا العرف. فالحقوق التي كفلها الله ليست محلّ مساومة، والطلاق ليس ثأرًا بل انفصالًا يحفظ لكل طرف كرامته.

لكنّ ردّ الفعل من أهل الزوجة كان أقسى من الخطأ ذاته؛ لأن الانتقام ليس طريقًا لاسترداد الحقوق، بل بابًا جديدًا للظلم. وقد أوقعوا أنفسهم في جريمة واضحة، رتّبت عليهم مسئولية قانونية كبيرة، وجرّدت موقفهم من القوة الأخلاقية التي كانت في صفّهم.

هل يمكن المقايضة؟

يفكر البعض الآن في “المساواة”: أن تتنازل الزوجة عن حقوقها مقابل التنازل عن محضر الحريق.
لكن الحقيقة أن مثل هذا التفاهم قد يوقف تصاعد الأزمة، لكنه لا يلغي الآثار القانونية المترتبة على الجريمة، ولا يضمن للزوجة حقوقها التي شرعها الله. بل قد يُشعر الطرف المسيء بأن العقاب يمكن الهروب منه بالمساومات، وأن الحقوق يمكن التلاعب بها.

والأصل في مثل هذه النزاعات أن يُرَدّ كل حق إلى صاحبه:

الزوج يعيد الحقوق الشرعية بلا مماطلة.

أهل الزوجة يتحملون مسئولية ما ارتكبوه، ويطلبون العفو لا المقايضة.

القضاء يحسم، لأن القانون وُضع لمنع الفوضى لا لتغذية الغضب.


درس للطرفين… وللمجتمع

العناد بين الأسر لا يصنع عدلًا، بل يورث كفران النعمة، ويفتح أبوابًا أوسع للمشكلات.
لقد انفصل الزوجان، وانتهت الحياة المشتركة، وبقيت الحقوق التي يجب أن تُؤدّى دون تنكيل ولا انتقام.

اتقوا الله في البنات… فهنّ أمانة في أعناق الرجال.
واتقين الله في الرجال… فليس كل خلاف يستحق إشعال نار تُحرق بيوتًا وسمعة ومستقبلًا.

لكنّ الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من الأزمات تبدأ من سوء الاختيار، وتكتمل بـ سوء التعامل، وتنتهي بـ سوء المصير. وما كان أغنى الجميع عن هذه النهايات لو أن الحكمة حضرت لحظة واحدة فقط قبل أن يشتعل الفجر بالنار.

الخلاصة

الحقوق لا تُنال بالاحتيال… ولا تُسترد بالحرق.
والحكمة ليست في القوة، بل في أن يأخذ كل ذي حق حقه كما يرضي الله… لا كما يرضيه هواه.

وبهذه المناسبة، نقدم تحية شكر وإجلال لرجال الشرطة البواسل على سرعة التحرك والقبض على الجناة، مؤكدين أن القانون والحكمة هما السبيلان الوحيدان لتحقيق العدالة وحماية المجتمع.

البوم الصور

News photo
News photo
News photo

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا