news-details
مقالات

بقلم نشوة أبو الوفا  غالية  الفصل الأول

بقلم نشوة أبو الوفا 
غالية 
الفصل الأول


 نفس الحلم يراودني مراتٍ ومرات؛ تلك الفرسة التي لم أرى مثيلًا لها في الروعة تعدو هائمة وأنا على صهوتها، لستُ بخائفة وكأني فارستها مع أني لم يسبق لي ركوب الخيل أبدًا، من حولي أشجارٌ تزهو بخضرتها، سماءٌ صافية لأبعد حد، رياحٌ خفيفة تحادث الأشجار وكأنها تهمس لها بأسرار، أسمعها لكني لا أميز ما تقول، تعدو بي الفرسة يتطاير شعري ورائي مع أنه لم يعد بهذا الطول في الحقيقة، ثم أرى الفرسة بعد ذلك واقفة وحدها خلف سياج يبدو أنه سياج مزرعة تنظر لي الفرسة الحالكة السواد وشعرها يتطاير مع الهواء، لكأني الآن أعرف بم تهمس الرياح للأشجار كلمة واحدة تتردد  "سراب"
ويأتي ذلك الوسيم الذي لا أعلم من أين ظهر ممسكًا بيدي هامسًا في أذني "أحبك يا غالية"، وأستيقظ على إحساسي بدفء حضنه، 
كل ما أعرفه أن ذلك الحلم يمُدني بإحساس لم يسبق له مثيل، يمدني بطاقة لأواجه واقعي المرير الذي أعيش فيه، لا تأخذكم الدهشة فمن مثلي محرم عليها حتى الحلم.
لم أروي لهم حُلمي أبدًا، ومن لي لأخبره؟! وحيدة أنا، ربما منعوني من النوم لو علموا روعة حُلمي وذلك الشعور الذي يمدني به 
أنا غالية
 ولدت نتاج زواج مدبر كان صفقة بين جدي لأبي وجدي لأمي  
زُوجت أمي لأبي الذي كان شابًا مستهترًا بديونٍ كانت على والدها لوالده.
 حظ أمي كان حظا تعسًا، لم يكن لها من أهل سوى والدها وتوفي بعد ولادتي مباشرة في يوم واحد مع جدي لأبي،
أبي الذي لا يعرف للأبوة معنى، تركني كما يقولون قطعة لحم حمراء وترك والدتي وهرب متبعًا نزواته وحبه للخمر والنساء هرب مع راقصة لعوب، آخذًا معه كل ما كان يملكه باع أرضه وكل شيء ركضًا وراء الراقصة أنوار.
ترك أمي لتواجه الحياة بطفلةٍ رضيعةٍ وحدها بدون معيل، 
باع البيت الذي كنا نعيش فيه لتفاجأ أمي بالمشتري يمهلنا يومان لترك المنزل.
تركت أمي المنطقة التي كنا نسكن بها وحملتني على كتفها إلى مكان آخر علنا نجد فيه الاستقرار والمأوي.
كانت أمي جميلة اسمًا على مسمى، فائقة الجمال مطمع وحلم لكل رجل ومنها ورثت جمالي الذي ما كنت لأختاره لو كان بيدي.

عملت أمي خادمة 
كانت تتركني وأنا صغيرة مع فتكات زوجة الأسطى حسين المكوجي صاحبة البدروم الذي اتخذناه سكنًا لنا مقابل أن تنظف لها شقتها كل أسبوع.
كبرت قليلًا وأدخلتني أمي المدرسة وكنت أظل مع فتكات بعد المدرسة إلى أن تأتي أمي من عملها لدي السيدة نجوى،
لا تعتقدوا أن فتكات زوجة الأسطى حسين كانت طيبة أو ما شابه ذلك كانت تضربني على أتفه شيء وأمام أمي بحجه أنها تساعدها في تربيتي، كانت أمي تصمت على مضض وعندما نذهب لغرفتنا في البدروم تطيب خاطري قائلة وهي تضمني في حضنها
 "لا تغضبي بنيتي إنها سيدة صعبة المراس، لكن البدروم ملكها وتستطيع طردنا، تحملي، المهم أننا سويًا، وفور أن أستطيع سننتقل من هنا"
صممت أمي أن أتعلم مع أن فتكات والأسطى حسين كانا يخبرانها "وما جدوى التعليم فلتعلميها صنعة تفيدها وتفيدك"
رزقنا الله برجل طيب شجع أمي على تعليمي
الشيخ عبد الحميد شيخ الجامع، كان يحبني جدًا وكان يُحفظني القرآن مجانًا في الكُتاب. 
مرت أيامي وأيام أمي في شقاء وتعب من أجل لقمة العيش، 
كنت أساعدها بما أستطيعه من أعمال صغيرة أثناء الدراسة وفي الإجازة أساعدها بكل شيء، غسيل ملابس للجيران، غسيل سجاجيد، مسح سلالم أي شيء، ومرت أيامنا كل ما يهمنا في الحياة أن نكون سويًا أنا وأمي، أن ننام الليل في حضن بعضنا، كان حضن أمي هو عالمي.
كانت أمي تخبرني دائمًا عن حكايتها مع أبي شاكر عبد العزيز الجمال وطيشه، كيف أنه لم يكن أبدًا كأخيه  العاقل الذي سافر ليعمل ويبني نفسه بعد وفاة والده، وأخذه لأرثه وكيف أضاع أبي حياته وباع كل شيء ليلاحق أنوار الراقصة التي أفقدته صوابه، إن أمي حتى لا تعلم هل ما زال أبي على قيد الحياة أم توفى؟
لم أكن أشغل بالي بوالدي، كل ما كان يهمني هو أمي، لم أكن أبدًا لأفكر أن أمي هي الأخرى قد تتركني، لكنها فعلت! 
 عدت من المدرسة في يوم لأجد أن أمي توفت، توفت وتركتني وأنا في الرابعة عشر، لم أبكِ، لم أصرخ، لم أنطق بحرف واحد، كنت غير مصدقة لما يجري، حولي نساء تولولن واخريات تعددن صوت القرآن العالي، أيادٍ تربتُ عليَّ، كلمات أسمعها 
تماسكي، لله الأمر من قبل ومن بعد 
دُفنت أمي وأنا جالسة وسط النساء أتلقى العزاء، لا أعرف ما سيحدث لي! أدعو الله أن تكون أيامي القادمة تحمل لي ما أستطيع تحمله، أخذتني فتكات لأبيت عندها قررت أن أعيش معها لتستفيد من بدرومها، أعطوني غرفة صغيرة كانت لي أنا والكراكيب. 
استيقظت في الصباح واستعددت لأذهب إلى المدرسة لتأتي فتكات 
واضعة يدها في خصرها واقفة أمام الباب
 "إلى أين يا غالية؟"
"إلى المدرسة خالتي، أمي كانت تصر أن أتعلم وأنا الآن في شهادة ويجب أن أنجح"
تندرت وسخرت "شهادة! ومن أين ستصرفين على تعليمك هذا؟" 
أجبتها وكلي ثقة "سأذهب للمدرسة صباحًا وأعمل بعد المدرسة"
ونحن نتحدث دق الباب 
أمرتني قائلة "اذهبي لتري من الطارق ثم نكمل كلامنا"
وجدته الشيخ عبد الحميد الذي ربت على رأسي 
"السلام عليكم يا صغيرتي كيف أصبحت اليوم؟"
كنت في غاية السرور "من الجيد أنك حضرت يا شيخنا تفضل"
سألني قبل أن يخطو داخل المنزل "هل الأسطى حسين ما زال هنا؟"
ردت فتكات من الداخل "نعم تفضل إنه في دورة المياه"
أحس بتوتر بيني وبين فتكات فقال "ماذا هناك؟"
"الآنسة غالية (بسخرية) تريد الذهاب للمدرسة!"
ابتسم قائلًا "هذا كلام في غاية العقل"
في هذه اللحظة خرج الأسطى حسين من دورة المياه
قائلًا "وهل عملها شيخنا الجليل سيكفي مصاريف تعليمها وأكلها وشربها؟ لا تؤاخذني أنا لا أستطيع تحمل أية مصاريف يكفي أنها تقيم في منزلي"
تبدلت ملامح الشيخ "أتريد أن تُفهمني يا حسين أن غالية تقيم لديكم مجانًا؟! الفتاه تعمل لديكم بثمن إقامتها وأكثر، غالية ستكمل تعليمها ومصاريف تعليمها أنا كفيل بها"
فرد حسين على مضض "حسنًا كما تريد يا شيخ لا نستطيع رفض طلب لك كلمتك على رقابنا"
ذهبتُ للمدرسة والكل يواسيني ويستغرب مجيئي رغم وفاة والدتي، فور خروجي من المدرسة ذهبت لمنزل السيدة نجوى التي كانت أمي تعمل لديها
 رحبت بي نجوى جدًا، وعرضتُ عليها أن أعمل لديها بدلًا من أمي، ووافقت على ذلك، واتفقت معها على أن أباشر العمل بعد المدرسة. 
باشرت أعمال المنزل وأعجبت نجوى بمهارتي وأثنت عليها
أنهيت أعمال المنزل واستأذنت من السيدة نجوى وغادرت سريعًا لمنزل فتكات التي استقبلتني مرحبة بي أيما ترحاب 
"أنه ليس فندق والدك هل ستأتين على موعد النوم والطعام؟"
أخبرتها أني سأنظف لها في آخر الاسبوع كما كانت أمي تفعل، ولكنها رفضت ذلك رفضًا قاطعًا، وانبرت تشرح أن هذا كان حين كنت لا أقيم تحت سقفها أما الآن فأنا أقيم عندها، وهي لا شأن لها بدراستي أو بعملي لدى نجوى، وخيرتني بين أن أقوم بطلبات منزلها هي الأخرى وبين أن أدفع لها ايجارًا، 
فاخترت وتحاملت على وجعي وإرهاقي وقمت بإنهاء تنظيف شقة فتكات ونمت تعبة حتى النخاع.
استيقظت عند آذان الفجر ذاكرت وباشرت في ترتيبات خفيفة لشقة فتكات لأخفف عن نفسي عمل المساء ثم ذهبت للمدرسة وبعد المدرسة ذهبت لنجوى وهكذا مرت أيامي... 
يتكفل الشيخ عبد الحميد بمصاريف دراستي من كتبٍ وأقلام وطلبات للمدرسة، نجحتُ في شهادتي الإعدادية ودخلت الثانوية 
كنتُ محط أنظار شباب المنطقة كلها لكن لم أسمح لأحد أن يكلمني أو يتباسط معي.
كنت أسمع وصفهم لي، غالية الطويلة، القمحية، ذات الشعر الغجري الساحر بسواده الذي يصل لمنتصف ظهرها ودائمًا ما تجمعه في ضفيره، 
كان الكثيرون يطلبون يدي من الشيخ عبد الحميد لكنه كان يرفض لصغر سني ولأني سأكمل تعليمي.
 تحملتُ مشقة حياتي راضية فلا حيلة لي فيها، ولا مفر لي مما أعانيه، أدرس وأنظف لنجوى وأنظف لفتكات وحسين وأرضى بقليلي، ما أقبضه من عملي عند نجوى أشتري به متطلباتي وأدخر القليل سرًا فلا أدري ماذا تخبئ الأيام لي بعد؟!
كان الوقت الذي أقضيه في المنزل عند فتكات قصيرًا، أغلق عليَّ باب غرفتي؛ خوفًا من حسين الذي بدأت نظرته لي تتغير وأحس بالرغبة في نظراته لي.
وفي يوم إجازتي أحاول قدر الإمكان ألا أكون معه وحدي أبدًا، 
حسين لم يكن غبيًا ليصرح برغبته فيَّ، ففتكات زوجته امرأة قوية الجسد وسليطة اللسان ومسيطرة.
أما عند نجوى ....
فنجوى الآن أرملة تعيش وحيدة، ابنها يدرس بالخارج.
مرت الأيام على غالية 
لم تخلو حياتها في المدرسة من مضايقات بعض زميلاتها اللاتي كن يعايرنها بعملها كخادمه، أو يطلبن منها القدوم لبيوتهن لتنظيفها، لم تكن تلقي بالًا لهن أمامهن، لكن بينها وبين نفسها كانت تبكي وتشكو إلى الله همها، أصبحت في نهاية الصف الثالث الثانوي.  
في يوم لم تطلع له شمس كان يوم إجازتها إنها تذكره يوم جمعه،
كانت تقف تمشط شعرها الجميل، صادف ذلك دخول حسين الذي ما أن رأى شعرها المسترسل حتى قال أمام فتكات 
"اللهم صل على النبي، شاهدي يا فتكات  هذا الجمال" 
اشتعلت نيران الغيرة في قلب فتكات
وهجمت على غالية تضربها، متهمة إياها بالوقوف والتدلل وترك أعمال المنزل بسبب انشغالها بشعرها وأقسمت أن تخلصها منه 
وأمسكت غالية من شعرها تجرها جرًا وغالية تصرخ وحسين يتوسل لها لأن تتركها 
"اتركيها يا فتكات"
"لن أتركها سأقص هذا الشعر الذي فتنتك به يا شايب"
"لقد جننت أي فتنه إنها كابنتي؟"
"ابنتك! هل تظن أني لا أرى اعجابك المتزايد بها" 
كل هذا وشعر غالية في يديها وغالية تبكي وتصرخ
أمسكت المقص ورفعت شعر غالية عاليًا في يديها وقصته 
وهي تضحك منتصرة "فلتريني بماذا ستضيعين وقتك؟"
رأت غالية شعرها يتساقط أمام عينيها فأخذت تلملمه من على الأرض وتبكي أحست بتساقط كرامتها مع شعرها لم تمهلها فتكات حتى فرصة لتبكي كما تريد  
 دق جرس المنزل 
"هيا دعك من هذا التمثيل وافتحي الباب"
غالية ذهبت لتفتح الباب لتجد الشيخ عبد الحميد فارتمت باكية مقهورة في حضنه 
"لا إله إلا الله ماذا بك يا بنيتي؟ اهدئي"
وأنبهم الشيخ على ما فعلوه بغالية تأنيبًا شديدًا 
"ألا تخافون الله إنها أمانه بين أيدكم!"
"كنت أؤدبها يا شيخنا"
"إياك وإعادتها يا فتكات اتقي الله".
مرت الأيام
غالية كانت تفكر جديًا أن تترك فتكات وحسين وتذهب لتقيم إقامة دائمة لدى السيدة نجوى لكن الأيام لم تمهلها؛ وصل نادر ابن السيدة نجوى من سفره في يوم اجازه غالية.
ذهبت غالية للسيدة نجوى لتجد نادر قد وصل، منذ الوهلة الأولى لاحظت نظرات نادر لها لم يخف ذلك أيضًا على السيدة نجوى،
"أرجو أن تضعي في حسبانك أننا لم نعد وحدنا بالمنزل"
"نعم سيدتي" 
بعد فتره بدأ اعجاب نادر بغالية يزداد وما كان مجرد نظرات من على بعد، بدأ بنظرات أكثر قربًا وأكثر جرأة، كانت غالية تلزم المطبخ بعدما تنهي ترتيب الغرف وتحاول جاهدة ألا يجمعها بنادر أي مكان، نادر لم يكن سهلًا كان يتحين أي فرصة ليلمسها ثم يعتذر أن ذلك كان بدون قصد.

إلى أن جاء ذلك اليوم الذي انتهز فيه وجود والدته بدورة المياه ودخل المطبخ عليها واحتضنها من ظهرها فزعت غالية وصرخت حاول كتم أنفاسها، أمسكت بسكين كانت بجوارها وأفلتت منه وجرحته خرجت نجوى لتجد غالية ممسكه بالسكين ونادر مجروح 
هدأت غالية واحتضنتها وصفعت نادر 
"لا أستطيع أن أضمن أن هذا لن يتكرر"
"لا لن يتكرر أنا سأغادر لن أعمل هنا طالما السيد نادر موجود عندما يسافر وتصبحين وحدك سيدتي سآتي لك أخدمك بعيوني"
أعطتها نجوى مبلغًا من المال تعيش منه حتى تجد عملًا آخر
ذهبت غالية لفتكات مبكرة على غير عادتها
"ما الذي أتى بك مبكرًا عن موعدك؟"
"لقد تركت العمل لدى السيدة نجوى"
"لماذا ؟"
"ستسافر مع ابنها للخارج"
"وأين ستعملين إذن؟"
"سأبحث عن عمل"
ليدخل عليهما حسين حزينًا 
"ما بك يا حسين لماذا أنت حزين؟"
"توفي الشيخ"
#نشوة_أبوالوفا   #nashwa_aboalwafa

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا