حين يهمس الليل للعابر الوحيد
حين يهمس الليل للعابر الوحيد
بقلم/ نشأت البسيوني
حين يهمس الليل للعابر الوحيد لا يسمع صوته احد ولا يلتفت اليه المارة ولا ينتبه العالم للخطوات التي تختبئ في الطرقات الخالية فهناك ارواح تمشي وهي تحمل في داخلها مدن كاملة لا يراها احد وقلوبا تزدحم بالاسئلة ولا تجد من يجيب عليها وتمضي الايام كأنها لا تعرف ان هناك من يتنفس بصعوبة ومن يحاول ان يبدو بخير بينما هو ينهار في صمته العميق مثل جدار قديم يحاول ان يصمد امام الرياح ولا يريد ان يسقط حتى لا يراه احد وهو محطم من الداخل ونحن احيانا نسير في الحياة بنفس الطريقة نحاول ان نبدو اقوياء نحاول ان نضحك نحاول ان نكمل الطريق حتى عندما نفقد القدرة على الفهم او الاحتمال او التفسير ونبقى فقط نكرر لانفسنا ان كل شيء سيمر رغم اننا لا نعرف متى ولا كيف ولا لماذا ونكبر فجأة دون ان نشعر ونستيقظ ذات يوم لنجد اننا لم نعد نفس الاشخاص الذين كنا نعرفهم وان ملامحنا تغيرت وقلوبنا تغيرت واهدافنا تغيرت واشياء كثيرة كنا نراها واضحة صارت ضبابية واشخاص كنا نعتقد انهم جزء من الطريق صاروا غرباء ونكتشف ان الحقيقة الوحيدة الثابتة في الحياة هي ان كل شيء يتغير وكل شيء يمضي وكل شيء يرحل حتى نحن نرحل عن صورنا القديمة ونكمل الطريق بشكل مختلف تماما ونستمر في البحث عن معنى ربما لا نجده وربما كان المعنى يبحث عنا ونحن لا نراه لاننا ننظر في الاتجاه الخطأ وربما كنا نحتاج فقط الى لحظة واحدة نتوقف فيها ونسأل انفسنا هل نحن نعيش ام نحن فقط نحاول ان لا نسقط وهل نحن نسير نحو ما نريده حقا ام نهرب مما نخاف مواجهته
وحين يهمس الليل للعابر الوحيد لا يسأله عن ماضيه ولا عن عدد المرات التي انهار فيها ولا عن الوعود التي لم يستطع ان يفي بها لكنه يسأله سؤالا واحدا هل ما زلت واقفا رغم كل شيء وهل ما زلت تملك القدرة على ان تكمل الطريق حتى لو لم يبق معك احد وحتى لو لم تفهم لماذا يحدث كل ما يحدث وحتى لو شعرت ان العالم كله يبتعد عنك خطوة بعد خطوة لان الليل يعرف ان الانسان لا يقاس بعدد مرات سقوطه بل بقدرته على النهوض بعد كل مرة ظن فيها ان النهاية قد حدثت وان الطريق انتهى لكنه يكتشف انه ما زال قادرا على ان يتحرك بطريقة لا يعرف كيف جاءت ولا من اين جاءت وكأن الروح تحملنا في اللحظة التي ينهار فيها كل شيء امام اعيننا دون ان نسأل كيف ولماذا
والعابر الوحيد حين يواصل السير لا يفعل ذلك لانه قوي كما يظنه الناس بل لانه لم يعد يملك خيارا اخر غير الاستمرار ولانه ادرك ان الوقوف لا يوقف الزمن وان الهروب لا يمحو الالم وان التظاهر لا يشفي الروح وان الحقيقة مهما كانت مؤلمة احن على القلب من الوهم وان الانسان لا يولد مرة واحدة بل يولد كلما سقطت منه نسخة قديمة وظهرت داخله ملامح جديدة لم يكن يعرفها وان الصمت ليس دائما ضعف كما يظن البعض بل احيانا يكون طريقة الروح في ان تنقذ نفسها من الانهيار وان الوحدة ليست دائما عقابا بل احيانا هدية تمنحنا القدرة على ان نسمع انفسنا بوضوح دون ضجيج العالم الذي لا يتوقف عن الكلام ولا يعرف كيف يصغي
وحين يهمس الليل للعابر الوحيد يخبره ان الاشياء التي ظن انها انتهت لم تنته بعد وان الابواب التي اغلقت في وجهه لم تكن طريقه من البداية وان الرحيل الذي كسره كان ضروريا لكي لا يبقى في اماكن لم تعد تشبهه وان الخسارة ليست نهاية الطريق بل بداية طريق اخر لم يكن ليصل اليه لو لم ينكسر وان الصبر ليس ان ننتظر فقط بل ان نكبر ونحن ننتظر وان نفهم ونحن نصمت وان نواصل ونحن نتألم وان لا نفقد ايماننا بانفسنا حتى عندما نفقد كل شيء اخر لان الانسان لا يقف على قدميه بالارض التي تحته بل بالقوة التي بداخله
والعابر الوحيد حين يستمر في الطريق يدرك ان القوة ليست في ان لا يسقط بل في ان يعود للوقوف كلما اعتقد ان النهاية قد وصلت ويدرك ان القلب الذي انكسر لم يعد ضعيفا كما ظن بل صار اكثر رحمة واكثر فهما واكثر قدرة على التمييز بين ما يستحق البقاء وما يجب ان يرحل وان الروح التي نجت من العتمة لا تبحث عن الضوء المؤقت بل عن نور لا ينطفئ وان الانسان حين يخرج من ظلمة روحه لا يعود كما كان ابدا ولا يريد ان يعود لان ما تعلمه لم يكن مجرد درس بل كان ولادة جديدة لا تشبه اي بداية اخرى
ومع امتداد الطريق الطويل والليالي التي لا تنتهي يدرك العابر الوحيد ان الصمت الذي يحمله في داخله ليس خلوة بل لغة الروح التي تسمح له بفهم نفسه وانه كلما احتوى الليل داخله وكلما استمع لهمساته ازداد فهما لكل ما حوله وان كل خطوة يخطوها رغم الوحدة والظلام هي خطوة نحو ذاته الحقيقية وان كل دمعة اختبأت خلف ابتسامة هي جسر بين ما كان وما سيكون وان كل ألم صامت لم يبوح به هو قوة مكتسبة ودرس لم يتعلمه الا من يمر بنفس الطريق وان الحياة حتى وان بدت بلا رحمة فهي تمنح من يعرف ان يسمع نفسه فرصة للنهوض مرارا وتكرارا بلا توقف
والعابر الوحيد يستمر في السير بلا قيود بلا توقف بلا خوف بلا وجل بلا انتظار لموافقة احد لأنه يعلم ان الحياة لا تنتظر احد وان الزمن لا يعيد احد وان كل تجربة وكل لحظة وكل فشل وكل نجاح وكل لقاء وكل وداع وكل بداية وكل نهاية وكل خطوة تصنع منه ما هو عليه الآن وان الاستمرار نفسه هو المعجزة الكبرى التي لا يراها احد لكنها تحدث في داخله ومع كل نفس ومع كل خطوة ومع كل لحظة يدرك انه حي وان قلبه ما زال ينبض وان روحه ما زالت تتحرك وان ضوءه الداخلي ما زال قائما وان الليل مهما طال لا يستطيع ان يطفئ ما في داخله وان الطريق مهما طال لن ينتهي طالما هو يسير
ومع ذلك يظل العابر الوحيد يعرف ان كل ضوء خافت يحمل رسالة وان كل صمت طويل يحمل معنى وان كل لحظة وحده تعلمه كيف يكون حقيقيا وان الرحلة ليست وجهة بل هي كل ما يحدث في داخله قبل ان يحدث حوله وان الاستمرار في الليل هو الفن الذي لا يعرفه الا من سار بمفرده في صمت مطبق ومع كل خطوة وكل انعطافة وكل تسارع وكل تباطؤ وكل ظلال يمر بها يعلم ان وجوده له معنى وان وجوده في الطريق ليس عبثا وان الليل مهما همس يبقى حاضرا في قلبه كصديق لا يتركه ابدا
التعليقات الأخيرة