ضوء الحكاية
ضوء الحكاية
كنتُ أعيش في مدينة من ضجيج، كل شوارعها تؤدي إلى عملٍ لا ينتهي. كانت يداي تمسكان بمشرط الطب، وعيناي تراقبان نبض الحياة وهي تتأرجح بين البقاء والغياب. لكن في مكان ما، خلف ضلوع الصمت، كان يعيش طفل صغير يحمل دفترًا، ويكتب
كنتُ أسمعه أحيانًا، يطرق جدران قلبي، يطالبني بأن أترك له المساحة ليمدّ خيوط الحكاية. كنت أؤجله كل مرة، حتى خفت صوته، وظننت أنه رحل. لكن ذات فجر، حين أرهقني الركض في الممرات البيضاء، عاد صوته أكثر وضوحًا:
"آن لك أن تحيا بما تحب، لا بما اعتادوه منك"
لم أترك الطب لأهرب من مداواة الأجساد، بل لأكمل مداواة الأرواح — روحي أولًا. في داخلي نهر من الحكايات ظلّ يجري في صمت، حتى كسرتُ صخور الأيام وأطلقت مياهه على الورق
تركت المشرط، وحملت القلم. عندها انتفضت الأرض تحت قدمي، وانهالت الأسئلة:
"الدنيا تغيّرت، لم يعد أحد يقرأ"
"العالم تغيّر… من يقرأ الآن؟"
"ما جدوى الحروف في زمن الصورة؟"
كنتُ أبتسم… لأنهم لم يعرفوا أن الحرف ليس زينةً على ورق، بل حياة أخرى تزرعها في قلب إنسان كنتُ أعلم أن قصتي قد تمرّ على ألف عين عابرة، لكن عينًا واحدة ستتوقف عندها، وتجد فيها ذاتها وهذه وحدها تكفي
أكتب اليوم كما يتنفس الغريق على سطح الماء… لا أنتظر تصفيقًا، ولا أطلب برهانًا. أكتب لأن في كل قصة أخلق عالمًا، وفي كل عالم أترك نافذةً مفتوحة على الضوء
اكتب لأزرع بذرةً في قلبٍ واحد. ذلك القارئ الذي يتوقف عند جملة ما، ويشعر أنني أمسكت بيده وسط الظلام — هو برهاني أن الحكاية ما زالت تستحق الحياة
أكتب لأن الكتابة علاج آخر، علاج لا يُعطى في وصفة طبية، بل في جملة تعيد النور لعينيك. أكتب لأنني أرفض أن أعيش نصف حياة، ولأنني أؤمن أن الكلمة التي تخرج من الصدق تصل، حتى لو سافرت وحدها
تحقيق الذات ليس أن توافق خطواتك أقدام الآخرين، بل أن تمشي في طريقك، ولو كان بلا رفقة. والفائدة الحقيقية ليست دائمًا في إنقاذ الجسد، أحيانًا تكون في أن تُعيد للروح ظلّها، وللقلب صوته، وللحلم حقّه في أن يُولد
لهذا… سأظل أكتب،
حتى آخر يوم في حياتي،
ولو بقي قارئ واحد فقط،
ولو كنت أنا ذلك القارئ
التعليقات الأخيرة