الازدواجية النقدية في اليمن
للكاتب: أمجد فائد العبسي
تثير في ذهني تساؤلات ملحّة كلما لاحظت ذلك الحضور النقدي والأكاديمي الكثيف في فعالية أدبية ما.
مؤخراً، في أمسية في «نادي القصة» للدكتورة الفاضلة «أمنة يوسف»، كان حضور النقاد والأكاديميين كثيفاً — وهو ما استغربته بشدة.
ولا يعني استغرابي هذا تقليلاً من شأن الدكتورة «أمنة يوسف» أبداً؛ فحاشا لله ذلك. فهي قامة أدبية ونقدية شامخة، قدمت إسهامات جليلة للأدب والنقد اليمني، ونكنّ لها كل تقدير واحترام.
لكن جوهر فكرتي التي أود طرحها يتلخّص في سؤال كبير:
لماذا يتحفّز النقاد والأكاديميون للحضور والحديث في فعاليات «الكبار» فقط — الذين لا يحتاجون في الأساس إلى من يسلِّط الضوء على أعمالهم الناضجة — بينما نجدهم غائبين غياباً شبه تام عن فعاليات الكتاب الشباب والمبتدئين؟
إن هذا التناقض يبعث على التأمّل. فالكبار من الأدباء والنقاد أصبحت أسماؤهم علامات فارقة، وأعمالهم معروفة ومُعترف بقيمتها، فحضور النقاد فيها أشبه بتكريس للواقع أكثر منه اكتشافاً لجديداً. وفي المقابل، فإن الأديب الشاب هو أكثر من يحتاج إلى بوصلة نقدية تهديه طريق الإبداع، تصوب مساره، وتُسلّط الضوء على مواطن القوة والضعف في تجربته الناشئة.
الأمر لا يتوقف عند مجرد الغياب، بل يتعدّاه إلى ازدواجية المعايير في الممارسة النقدية ذاتها. فحتى عندما يحضر بعض النقاد فعاليات للشباب، نجد أن سمة النقد في هذه الأمسيات تكون غالباً حادّة وقاسية مليئة بالتعالي والتركيز على الهفوات والصغائر وكأن الهدف إثبات تفوّق الناقد وليس تنمية العمل والأديب. بينما في المقابل، نجد أن النقد في أمسيات الكبار والنخبة يتحول إلى ما يشبه «حفلات المجاملة»، حيث يسود نقد هادئ مرهق يتجنّب مساءلة حقيقية، ويكتفي بإشادة عامة حول العمل بلُطف مبالغ فيه، كأننا أمام مرايا تعكس لبعضها البعض لا أكثر.
هذه الازدواجية تؤكد أن المشكلة ليست في «النقد» بحد ذاته، بل في «ثقافة النقد» السائدة. فالناقد الحقيقي هو من يلتزم بالموضوعية والإنصاف: يكون عادلاً في حكمه، شجاعاً في طرحه، داعماً للجيد أينما وجد، وناقداً للضعيف بغض النظر عن صاحبه. هكذا نضمن حركة نقدية حية تنفع الأدب والأدباء معاً.
إن ما يحدث، في رأيي، ليس مجرد صدفة، بل انعكاس لظاهرة تحتاج إلى وقفة جادّة من قبل المؤسسات الأكاديمية والنقدية. علينا أن نتجاوز «هوس الكاميرات» والظهور في فعاليات «النجوم» فقط، وأن نتحلّى بالشجاعة الأدبية لتوجيه عدسة النقد البناء نحو الأعمال الشابة. فالنقد الحقيقي ليس «تصهيناً» أو تحطيماً، بل جسر يعبر عليه المبدع لتطوير نفسه وأدواته. عندئذ يمكننا بناء حركة أدبية حقيقية تتجدد وتزدهر بتنوّع أجيالها وأصواتها.
التعليقات الأخيرة