news-details
أدب

فَجْرٌ جَدِيدٌ

قصة قصيرة
فَجْرٌ جَدِيدٌ
-------
فِي لَيْلَةٍ حَالِكَةٍ السَّوَادِ، وُلِدَ طِفْلٌ فِي حَيٍّ فَقِيرٍ. كَانَ وَالِدُهُ يَضَعُ مَقَايِيسَ عَالِيَةً لِلْتَصَرُّفِ، لَا تُرْضِيهِ إِلَّا الطَّاعَةُ الْعَمْيَاءُ. كَانَتْ كَلِمَاتُهُ السَّامَّةُ تَمْلَأُ الْبَيْتَ، تَارَةً بِالْإِهَانَةِ، وَأُخْرَى بِالتَّهْدِيدِ. أَمَّا أُمُهُ، فَكَانَتْ تُعَانِي مِنْ ضُغُوطِ الْحَيَاةِ، فَتَجِدُ نَفْسَهَا تَارَةً تُفَضِّلُهُ عَلَى إِخْوَتِهِ، وَتَارَةً أُخْرَى تُهِينُهُ، فِي مُحَاوَلَةٍ يَائِسَةٍ لِإِرْضَاءِ زَوْجِهَا.
كَبُرَ فِي هَذَا الْجَوِّ الْمُشْحُونِ، مُحَاطًا بِالْكَثِيرِ مِنَ الْمَمْنُوعَاتِ، وَالْكَثِيرِ مِنَ الْمُقَارَنَاتِ الْجَارِحَةِ. كَانَ يَشْعُرُ دَائِمًا أَنَّهُ لَيْسَ كَافِيًا، أَنَّهُ لَيْسَ جَيِّدًا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةِ. كَانَتْ كَلِمَاتُ وَالِدِهِ تَرِدُ فِي أُذُنِهِ: "أَنْتَ فَاشِلٌ، لَنْ تَنْجَحَ أَبَدًا".
فَشِلَ فِي الدِّرَاسَةِ، فَشِلَ فِي تَكْوِينِ صَدَاقَاتٍ، فَشِلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ. شَعَرَ أَنَّ قِيمَتَهُ تَقِلُّ مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا. فِي الْمَدْرَسَةِ، كَانَ الْمُدَرِّسُونَ يَضِيفُونَ إِلَى جِرَاحِهِ، بِإِهَانَاتِهِمُ الْمُتَكَرِّرَةِ، وَعُقُوبَاتِهِمُ الْقَاسِيَةِ. كَانَ مُعَلِّمُ الرِّيَاضِيَّاتِ يُهِينُهُ دَائِمًا أَمَامَ زُمَلَائِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: "أَنْتَ لَنْ تَكُونَ شَيْئًا فِي الْحَيَاةِ".
شَعَرَ أَنَّهُ مُحَاصَرٌ، لَا مَفَرَّ لَهُ. بَدَأَ فِي الِانْسِحَابِ، يُفَضِّلُ الْعُزْلَةَ عَلَى مُوَاجَهَةِ الْعَالَمِ الْقَاسِي. لَكِنَّ فِي دَاخِلِهِ، كَانَ صَوْتًا صَغِيرًا يَصْرُخُ، يَطَالِبُ بِالْخُرُوجِ، يَطَالِبُ بِالْحُرِّيَةِ.
كَانَ لَهُ أُخْتٌ صُغْرَى، كَانَتْ هِيَ الْأُخْرَى تُعَانِي مِنْ ظُرُوفٍ مُشَابِهَةٍ. كَانَتْ تَشْعُرُ بِالْحُزْنِ وَالْوَحْدَةِ، وَكَانَتْ تَجِدُ فِيهِ مَلَاذًا لَهَا. كَانَ يُحَافِظُ عَلَيْهَا، وَيَحَاوَلُ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى أَمْنِهَا.
فِي لَحْظَةٍ مِنَ الْيَأْسِ، قَرَّرَ أَنْ يُحَطِّمَ الْقُيُودَ. قَرَّرَ أَنْ يُوَاجِهَ مَخَاوِفَهُ، أَنْ يُثْبِتَ لِنَفْسِهِ أَنَّهُ قَادِرٌ. بَدَأَ فِي الْبَحْثِ عَنْ هَوَايَاتٍ جَدِيدَةٍ، بَدَأَ فِي الْقِرَاءَةِ، بَدَأَ فِي الْكِتَابَةِ. وَجَدَ فِي الْكَلِمَاتِ مَلَاذًا، وَجَدَ فِي الْكِتَابَةِ صَوْتًا لِمَا بِدَاخِلِهِ.
كَانَ لَهُ صَدِيقٌ وَاحِدٌ، طَمُوحٌ، يَحْلُمُ بِأَنْ يُصْبِحَ طَبِيبًا. كَانَ صَدِيقُهُ يَدْعَمُهُ، وَيُشَجِّعُهُ عَلَى الْمُضِيِّ قُدُمًا. كَانَ يَقُولُ لَهُ: "أَنْتَ قَادِرٌ، أَنْتَ قَوِيٌّ".
مَعَ الْوَقْتِ، بَدَأَ فِي التَّغْيِيرِ. بَدَأَ فِي بِنَاءِ ثِقَتِهِ بِنَفْسِهِ، بَدَأَ فِي رُؤْيَةِ قِيمَتِهِ. أَدْرَكَ أَنَّ وَالِدَيْهِ لَمْ يَكُونَا مُثَالِيَّيْنِ، وَأَنَّ أَخْطَاءَهُمَا لَيْسَتْ نِهَايَةَ الْعَالَمِ. أَدْرَكَ أَنَّ الْحَيَاةَ مَلِيئَةٌ بِالْفُرَصِ، وَأَنَّ الْفَشَلَ لَيْسَ نِهَايَةَ الْمَطَافِ.
لَكِنَّ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، حَدَثَتْ مُشْكِلَةٌ كَبِيرَةٌ. كَانَتْ أُخْتُهُ مَرِيضَةً جِدًّا، وَكَانَتْ تَحْتَاجُ إِلَى عَمَلِيَّةٍ جِرَاحِيَّةٍ عَاجِلَةٍ. وَلَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمُ الْمَالُ الْكَافِي لِدَفْعِ تَكَالِيفِ الْعَمَلِيَّةِ.
شَعَرَ بِالْحُزْنِ وَالْيَأْسِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَسْلِمْ. قَرَّرَ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ مَا فِي وُسْعِهِ لِإِنْقَاذِ أُخْتِهِ. بَدَأَ فِي الْعَمَلِ فِي مَحَلٍّ لِبَيْعِ الْكُتُبِ، وَبَدَأَ فِي جَمْعِ التَّبَرُعَاتِ مِنْ الْجِيرَانِ وَالْأَصْدِقَاءِ. كَانَ صَدِيقُهُ يَدْعَمُهُ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُ: "أَنَا مَعَكَ، سَنَفْعَلُ هَذَا".
بَدَأَ الِاثْنَانِ فِي جَمْعِ التَّبَرُعَاتِ، وَبَدَأَ فِي الْبَحْثِ عَنْ مُنَظَّمَاتٍ خَيْرِيَّةٍ تُسَاعِدُ فِي تَمْوِيلِ الْعَمَلِيَّاتِ الْجِرَاحِيَّةِ. تَمَكَّنَا مِنْ جَمْعِ الْمَالِ الْكَافِي، وَتَمَّ إِجْرَاءُ الْعَمَلِيَّةِ لَهَا. كَانَتِ الْعَمَلِيَّةُ نَاجِحَةً، وَشُفِيَتْ تَمَامًا.
كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْحَيَاةَ لَنْ تَكُونَ سَهْلَةً دَائِمًا، لَكِنَّهَا تَسْتَحِقُّ الْعِنَاءَ. صَارَ جَاهِزًا لِمُوَاجَهَةِ التَّحَدِيَّاتِ. كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ قِيمَتَهُ لَا تُقَاسُ بِمَا يُحَقِّقُهُ، بَلْ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ.
أَمَّا وَالِدُهُ، فَقَدْ بَدَأَ فِي التَّغْيِيرِ أَيْضًا. بَدَأَ فِي رُؤْيَةِ أَخْطَائِهِ، وَبَدَأَ فِي مُحَاوَلَةِ إِصْلَاحِ مَا أَفْسَدَهُ. بَدَأَ فِي دَعْمِهِ، وَبَدَأَ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ حُبِّهِ لَهُ، وَأَصْبَحَ رَجُلًا حَنُونًا وَحَكِيمًا.
صَارَ يُشَجِّعُ أَبْنَاءَهُ عَلَى مُوَاصِلَةِ التَّعَلُّمِ وَالتَّطَوُّرِ، وَكَانَ يُسَاعِدُهُمْ فِي كُلِّ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ. كَانَتِ الْأُمُّ تُشَجِّعُهُمْ أَيْضًا، وَتُقَدِّمُ لَهُمْ الدَّعْمَ وَالْعَطْفَ.
وَكَانَ الْأَخُّ وَالْأُخْتُ يُسَاعِدَانِ بَعْضَهُمَا الْبَعْضَ، وَيُشَجِّعَانِ بَعْضَهُمَا عَلَى الْمُضِيِّ قُدُمًا. كَانَا يَقْضِيَانِ السَّاعَاتِ طَوِيلَةً فِي الْمُذَاكَرَةِ وَالْمُرَاجَعَةِ، وَكَانَا يُسَاعِدَانِ بَعْضَهُمَا فِي حَلِّ الْمَسَائِلِ الصَّعْبَةِ.
وَفِي النِّهَايَةِ، تَخَرَّجَا مِنْ كُلِّيَّةِ الطِّبِّ، وَأَصْبَحَا طَبِيبَيْنِ نَاجِحَيْنِ. كَانَا يُشَجِّعَانِ الْأَطْفَالَ فِي الْمُسْتَشْفَى، وَيُسَاعِدَانِ الْمَرْضَى فِي الشِّفَاءِ. كَانَا يُحِبَّانِ عَمَلَهُمَا، وَكَانَا يُسَاعِدَانِ الْأَشْخَاصَ فِي الْحُصُولِ عَلَى الرِّعَايَةِ الصِّحِيَّةِ الْجَيِّدَةِ.
-------------------
بقلمى/ عادل عطيه سعده 
جمهورية مصر العربية

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا