أمّة تحرسها المؤسسة… مصر التي لا تخضع لمحبرة التاريخ
بقلم د . هاني المصري
---------------------------------------------------
ليست كل الدول ابنة الجغرافيا. بعضها ابنة الصدفة، وبعضها ابنة القوة، لكن مصر…
مصر ابنة الزمن نفسه.
أمةٌ تغلبت على الموت السياسي مرات لا تُحصى، ونَهَضت في كل مرة لأن يدًا خفية صنعتها عبر آلاف السنين: المؤسسة العسكرية المصرية.
منذ لحظة وُلدت فيها الدولة الأولى على ضفاف النيل، أدرك المصريون أن السلطة الفردية زائلة، وأن القائد مهما بلغت قوته لن يكون قادرًا على حماية أرضٍ واسعة ممتدة بدون مؤسسات. ولهذا، حين تغيّر الملوك، وحين انهارت أسر حاكمة، ظل الجيش هو الذاكرة الصلبة التي لا تهتز، وهو “الدولة العميقة” بمعناها النبيل: الهيكل الذي يبقى حين يرحل الجميع.
تاريخ مصر ليس مجرد سطور متتابعة، بل سيرة صمود لا تنتهي.
اجتازت مصر غزوات الهكسوس، وتجاوزت العثمانيين، ونجت من الحملات الصليبية، وعبرت نفق الاستعمار الأوروبي، وخرجت من كل ذلك أقوى مما كانت عليه. لماذا؟
لأن الجيش كان دائمًا حاضرًا، يلتقط الراية حين تسقط من يد السياسة، ويعيد تشكيل الوعي حين يتهدد المجتمع.
وفي الزمن الحديث، حين ضرب العالم اضطراب هائل، وانحت دول قوية أمام التغيرات العاصفة، ظهرت مصر من جديد بوصفها استثناءً في المنطقة. لقد فهمت الدولة أن القوة لم تعد تُقاس بالعدد فقط، ولا بالعتاد فقط، بل بفلسفة بناء المؤسسة العسكرية، وبقدرتها على إدارة توازن الردع، وتطوير التكنولوجيا، وخلق أسلوب عمليات عصري يناسب طبيعة التحديات الحديثة.
وهكذا شهدت السنوات الأخيرة نهضة غير مسبوقة في بناء الجيش المصري، نهضة غيّرت شكل المشهد الأمني في المنطقة. لقد أصبحت الحدود الغربية أكثر أمانًا، والحدود الجنوبية أكثر استقرارًا، والسواحل البحرية قوة استراتيجية مؤثرة. وصار الجيش المصري قوة يضعها العالم في حساباته، بعدما تحوّلت إلى مؤسسة تمتلك من القدرات ما يجعلها قادرة على حماية مصالح الدولة من أي تهديد.
لكن القضية ليست في السلاح وحده، بل في المعنى الذي يحمله هذا السلاح:
استمرارية الدولة. صمود الهوية. قدرة الأمة على البقاء.
إن مصر لا تُحمى بسلطة، ولا بصوت عالٍ، ولا بحشد لحظة، بل تُحمى بالمؤسسة التي اختبرها الزمن، والتي أثبتت ـ عبر قرون طويلة ـ أنها تستحق أن تكون حارسة هذه الأرض.
ولهذا، ستظل مصر دائمًا “أمّة لا ينكسر شموخها”
لأن المؤسسة التي تحرسها… لا تعرف الانكسار.
التعليقات الأخيرة