news-details
مقالات

حين تصير الروح أكثر هدوءا من العالم بقلم / نشأت البسيوني " جريده الأضواء المصريه "

حين تصير الروح اكثر هدوءا من العالم

بقلم/نشأت البسيوني 

يأتي وقت في حياة الانسان يصبح فيه الهدوء اختيارا لا ضعفا ويصير الانتباه للتفاصيل الصغيرة شكلا من اشكال الحكمة لا التراجع في هذا الوقت لا يحتاج الانسان الى مرآة ليعرف انه تغير ولا الى شهادة من احد ليصدق انه كبر من الداخل فالتغيير الحقيقي لا يعلن عن نفسه ولا يطلب التصفيق بل يحدث بصمت في طريقة التفكير وفي ترتيب الاولويات وفي القدرة على التخلي دون شعور بالهزيمة الانسان لا ينضج حين يربح كل المعارك بل حين يتعلم اي المعارك لا تستحق ان يخوضها وحين يدرك ان الحفاظ على سلامه الداخلي اهم من اثبات وجهة نظره للعالم الحياة تعلمنا ببطء وبقسوة احيانا ان الاندفاع لا يصنع القوة وان الصوت العالي لا يعني الصدق وان بعض الانسحابات كانت شجاعة مؤجلة وليست هروبا كما تصورنا في بداياتنا الانسان يكبر حين يتوقف عن شرح نفسه لكل من اساء فهمه وحين يتعلم ان ليس كل صمت ضعفا وليس كل كلام ضرورة وحين يفهم ان الاعتناء بالروح عمل يومي لا يقل اهمية عن السعي والعمل والانجاز هناك لحظات لا يراها احد لحظات يجلس فيها الانسان مع نفسه ويعيد ترتيب الداخل يعترف بخيباته دون جلد ويقبل اخطاءه دون قسوة ويفهم ان ما مر به لم يكن لعنة بل تهيئة خفية لنسخة اكثر وعيا واقل استعجالا الحياة لا تسرق منا الاشياء عبثا بل تفرغ ايدينا مما لم يعد يناسبنا حتى نستطيع حمل ما هو اثقل معنى البشر يتغيرون حين يتوقفون عن مقاومة الاسئلة الصعبة وحين يسمحون لانفسهم بالاعتراف انهم تعبوا وانهم لم يعودوا يريدون نفس الاشياء التي كانوا يقاتلون من اجلها سابقا هناك قوة هادئة تنشأ حين يتصالح الانسان مع هشاشته وحين يفهم ان الضعف جزء من التجربة لا نقيض لها وان الرحمة بالنفس ليست ترفا بل ضرورة للاستمرار في عالم سريع وقاس ومزدحم بالادوار المفروضة الانسان الذي نجا ليس من لم يتألم بل من لم يسمح للالم ان يحوله الى شخص لا يشبهه ولا يرضيه ومع مرور الوقت تتغير ملامح الاشياء من حوله دون ان تتغير فعليا تتبدل نظرته لا بسبب البرود بل بسبب الفهم يصبح اكثر حرصا على من يدخل عالمه اكثر انتقاء لما يمنحه طاقته اكثر وعيا بان الوقت لا يعوض وان السلام الداخلي لا يشترى ولا يمنح بل يبنى خطوة خطوة بالاختيار الصحيح وبالانسحاب حين يجب وبالصبر حين لا يوجد بديل الحياة لا تطلب منا ان نكون اقوياء طوال الوقت بل ان نكون صادقين مع انفسنا وان نسمح لها بالتعب وبالراحة وبالبدء من جديد دون خوف من الاحكام وفي النهاية لا يبقى من الرحلة عدد الايام ولا صخب الاحداث بل تلك الحالة النادرة التي يصل فيها الانسان الى نفسه دون ان يفقد انسانيته ودون ان يخسر قلبه ودون ان يتحول الى نسخة قاسية مما مر به حينها فقط يدرك ان اعظم انتصار لم يكن في الوصول ولا في التصفيق بل في هذا الهدوء العميق الذي جعله اخيرا اكثر قربا من ذاته واكثر سلاما مع العالم رغم كل ما فيه

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا