بين الذاكرة والهيمنة: معاداة السامية في خدمة التوسّع الإسرائيلي
بقلم د.هاني المصري
-------------------------------------
في عالم يُفترض أن تحكمه القوانين الدولية ومواثيق حقوق الإنسان، نجحت إسرائيل في فرض معادلة خطيرة: انتقاد سياساتها يساوي معاداة السامية. هذه المعادلة لا تُبنى على منطق أو قانون، بل على ابتزاز أخلاقي يستثمر في ذاكرة تاريخية مؤلمة، ليمنح الحصانة لدولة تمارس سياسات توسعية وعنصرية موثّقة. وبين الخوف من الوصم والصمت القسري، تتآكل مساحة الحقيقة.
من الحماية إلى الابتزاز السياسي
معاداة السامية ظاهرة تاريخية حقيقية ومأساوية، عانى منها اليهود قروناً طويلة، وبلغت ذروتها في المحرقة النازية. غير أن استحضار هذا التاريخ المؤلم بات يُستغل اليوم لتجريم أي نقد موجّه لإسرائيل، حتى وإن كان النقد قانونياً، أخلاقياً، أو مستنداً إلى تقارير حقوقية دولية. فبدلاً من الرد على الوقائع، تُرفع تهمة جاهزة تُخيف السياسيين والإعلاميين والمؤسسات الأكاديمية: “أنت معادٍ للسامية”.
إسكات النقد لا دحضه
عندما تنتقد منظمات حقوق الإنسان سياسات الاستيطان، أو نظام الفصل العنصري، أو الانتهاكات الموثّقة بحق الفلسطينيين، لا تواجه إسرائيل هذه التقارير بالحجج، بل بتشويه النوايا. الاتهام لا يُوجَّه إلى الأفكار بل إلى الأشخاص، بهدف إسكاتهم، أو دفعهم إلى التراجع خوفاً من الوصم المهني والأخلاقي. وهكذا يتحوّل النقاش من مضمون السياسات إلى “أخلاق” المنتقدين، في عملية إلهاء مدروسة.
لوبيات الضغط ومعركة التعريف
لعبت جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل دوراً محورياً في ترسيخ تعريفات فضفاضة لمعاداة السامية، تُدرج انتقاد الصهيونية أو التشكيك في سياسات إسرائيل ضمن “الكراهية”. هذه التعريفات، حين تعتمدها جامعات أو برلمانات، تفتح الباب لمعاقبة أساتذة، ومنع فعاليات، وملاحقة ناشطين، فقط لأنهم عبّروا عن موقف سياسي. الخطورة هنا لا تكمن في حماية اليهود من الكراهية، بل في حماية دولة من المساءلة.
خلط متعمّد بين اليهود وإسرائيل
أخطر ما في هذه الاستراتيجية هو الخلط المتعمّد بين اليهود كأفراد وجماعات متنوعة في العالم، وبين دولة إسرائيل وسياساتها. هذا الخلط لا يخدم اليهود، بل يضعهم في مواجهة انتقادات موجّهة أصلاً لدولة قومية تمارس الاحتلال. كثير من اليهود أنفسهم، داخل إسرائيل وخارجها، يرفضون هذا الاستخدام السياسي لمعاناتهم التاريخية، ويؤكدون أن نقد إسرائيل ليس نقداً لليهودية.
نتائج عكسية على المدى البعيد
التجارة السياسية بمعاداة السامية تؤدي إلى نتيجتين خطيرتين: الأولى، إضعاف التضامن الحقيقي مع ضحايا الكراهية عندما تقع بالفعل، لأن المفهوم يُستنزف ويُستخدم في غير موضعه. والثانية، تقويض حرية التعبير والنقاش الديمقراطي، عبر تحويل إسرائيل إلى “دولة فوق النقد”. وفي الحالتين، الخاسر هو الحقيقة، والعدالة، وحتى القيم التي يُفترض الدفاع عنها.
نقد السياسات ليس جريمة
إن انتقاد سياسات دولة، أياً كانت، حق مشروع ومكوّن أساسي من أي نظام ديمقراطي. تحويل هذا الحق إلى جريمة أخلاقية تحت لافتة “معاداة السامية” هو سلوك استبدادي، لا يختلف في جوهره عن ممارسات الأنظمة التي تجرّم معارضيها بتهم جاهزة. الدفاع الحقيقي عن القيم الإنسانية يبدأ بالفصل الواضح بين محاربة الكراهية، ومساءلة الدول عن أفعالها.
وختاماً يا سادة
سيبقى نقد السياسات الإسرائيلية حقاً مشروعاً، مهما ارتفعت أصوات التخوين والاتهام. فالدول لا تُقدّس، والتاريخ لا يمنح حصانة أبدية، والعدالة لا تُجزّأ. ومعاداة السامية، كجريمة أخلاقية حقيقية، تستحق المواجهة الجادة، لا الاستغلال السياسي. وما لم يتم الفصل بوضوح بين الكراهية والنقد، سيظل الظلم قائماً، والحقيقة محاصَرة.
التعليقات الأخيرة