الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : ماذا فعل الاستعمار العثماني في البلاد العربية؟
خضعت غالبية البلاد العربية للحكم العثماني منذ أوائل القرن السادس عشر وحتى بدايات القرن العشرين. ورغم اختلاف مدد السيطرة من دولة لأخرى، فإن النتيجة العامة كانت واحدة: هيمنة سياسية، استنزاف اقتصادي، وإعاقة لمسار التطور الطبيعي للمجتمعات العربية.
وفيما يلي عرض تفصيلي للدول العربية التي خضعت للحكم العثماني، وما ترتب على ذلك في كل دولة على حدة :
أولاً : مصر
دخل العثمانيون مصر عام 1517 بعد إسقاط دولة المماليك.
* ما الذي حدث في مصر؟
إلغاء الاستقلال السياسي وتحويل مصر إلى ولاية تابعة لإسطنبول.
فرض ضرائب مرهقة على الفلاحين.
نقل جزء كبير من خيرات البلاد إلى العاصمة العثمانية.
إهمال التعليم والعلوم والصناعة.
تفشي الفقر والفساد الإداري.
ورغم أهمية مصر الاستراتيجية، فإنها استخدمت كمصدر تمويل لا كمركز حضاري، حتى جاءت إصلاحات محمد علي لاحقًا خارج الإطار العثماني.
ثانياً : بلاد الشام (سوريا – لبنان – فلسطين – الأردن)
خضعت بلاد الشام للحكم العثماني منذ 1516.
أبرز الممارسات:
تعيين ولاة عسكريين أجانب عن المجتمع المحلي.
قمع الحريات الفكرية والسياسية.
فرض اللغة التركية في الإدارة.
إهمال التنمية الاقتصادية.
إعدامات قادة الفكر والنخب الوطنية (خصوصًا عام 1916).
وانتهى الحكم العثماني بترك الشام مفككة وضعيفة، ما مهد للاحتلال الفرنسي والبريطاني.
ثالثاً : العراق
دخل العراق تحت السيطرة العثمانية عام 1534.
* النتائج :
تدهور الزراعة بسبب الإهمال وسوء إدارة الري.
فرض ضرائب قاسية على القبائل والمدن.
انتشار الفقر والأوبئة.
غياب شبه كامل للمؤسسات التعليمية الحديثة.
وكان العراق من أكثر المناطق تضرراً نتيجة الإهمال الإداري المزمن.
رابعا : الحجاز (مكة والمدينة)
خضع الحجاز للحكم العثماني اسميا" منذ 1517.
* طبيعة الحكم :
سيطرة دينية أكثر منها تنموية.
استخدام الحجاز لتكريس شرعية دينية للدولة العثمانية.
ضعف الخدمات والبنية التحتية.
اعتماد كامل على الضرائب والحج دون تنمية حقيقية.
وظلت المنطقة متأخرة إدارياً حتى نهاية الحكم العثماني.
خامساً : اليمن
دخلت أجزاء من اليمن تحت الحكم العثماني في فترات متقطعة.
ما الذي حدث؟
صراعات عسكرية مستمرة.
مقاومة شعبية عنيفة للحكم العثماني.
فشل إداري وعسكري في السيطرة الكاملة.
إنهاك البلاد بالحروب والضرائب، وكان اليمن مثالا واضحاً على رفض الشعوب العربية للهيمنة العثمانية.
سادسا : ليبيا
خضعت ليبيا للحكم العثماني منذ 1551.
السياسات المتبعة:
إهمال تنموي شبه كامل.
ضعف الخدمات والتعليم.
ترك البلاد نهبا للفقر والتخلف. الاعتماد على الحكم العسكري.
وعند انسحاب العثمانيين، تركت ليبيا فريسة سهلة للاستعمار الإيطالي.
سابعاً : تونس والجزائر
خضعتا للحكم العثماني الاسمي عبر ولاة محليين.
النتائج:
سيطرة عسكرية دون بناء دولة حديثة.
ضعف المؤسسات.
إهمال التنمية الاقتصادية.
ترك فراغ سياسي استغلته فرنسا لاحقًا.
ثامناً : السودان
ارتبط إداريًا بمصر تحت الحكم العثماني.
الواقع:
استغلال الموارد دون تنمية.
غياب التعليم والخدمات.
تهميش المجتمع المحلي.
فى النهاية ..
رغم اختلاف طبيعة الحكم العثماني من منطقة لأخرى، فإن القاسم المشترك كان:
غياب مشروع حضاري أو تنموي.
قمع الإرادة السياسية.
استنزاف الموارد.
تجهيل المجتمعات.
ترك البلاد ضعيفة عند الانسحاب.
لم يكن الحكم العثماني في البلاد العربية مشروع نهضة أو وحدة، بل كان هيمنة مركزية باسم الدين، انتهت بترك المنطقة مفككة، متخلفة، وعرضة للاستعمار الأوروبي.
والتاريخ لا يُعاد كتابته بالشعارات، بل بالوقائع، لأن مواجهة الحقيقة هي الخطوة الأولى نحو بناء المستقبل.
التعليقات الأخيرة