امرأة تموت يوميا بين الظل والواقع
بقلم/ناني عادل
لم تكن تتخيل يوما ان تصل حياتها الى هذا الحد من القسوة لم تكن تتصور ان تتحول الايام الى عبء ثقيل وان يصبح البيت مكانا بلا روح وان يصبح الزواج شكلا بلا معنى كانت تدخل هذه الحياة بقلب صادق تؤمن ان الشراكة احتواء وان العشرة طمأنينة وان الوجود مع انسان يعني الا تكون وحدها لكنها وجدت نفسها مع الوقت تقف وحدها في مواجهة كل شيء
الظلم لم يأت دفعة واحدة بل تسلل بهدوء كلمة جارحة تمر موقف يتكرر تجاهل يصبح عادة كانت تتحمل وتبرر وتقنع نفسها ان الصبر واجب وان الايام كفيلة بالتغيير لكنها لم تكن تعلم ان هناك ظلما لا يحتمله قلب زوجة مع زوجها ظلما لا يظهر في الضرب ولا في الصوت العالي بل في الغياب في البرود في الاكتفاء بالسؤال الهاتفي في الاطمئنان من بعيد وكأن العلاقة يمكن اختصارها في مكالمة وكأن الاحتياج يمكن قياسه بعدد الاسئلة لا بحضور الروح
كانت طريقها وحدها في كل شيء تتحمل مسؤولياتها تواجه تعبها تخوض ايامها دون سند حقيقي بينما هو من وجهة نظره كان مطمئنا كان يرى نفسه محققا لكل شيء يؤدي دوره كما يراه صحيحا يوفر ما يعتقد انه المطلوب ويسأل من حين لاخر ليطمئن ظنا منه ان هذا كاف لم يعلم ان المرأة لا تعيش بالواجب ولا تطمئن بالحد الادنى لم يعلم ان كل يوم يمر وهي وحدها يموت فيها جزء من الداخل جزء لا يصرخ ولا يشتكي بل يذبل بصمت
كانت تعيش روحا بلا جسد جسدا يؤدي المطلوب وروحا منهكة تتآكل ببطء تبتسم امام الناس وتبدو متماسكة لكنها في داخلها كانت تخوض حربا صامتة حرب بين ما تستحقه وما تعيشه بين ما كانت تحلم به وما فرض عليها كانت تنام وهي مثقلة وتستيقظ وهي اثقل كانت الايام تمر وهي تشعر ان الحياة تسحب منها شيئا لا يعود
الظلم لم يكن فقط في غيابه بل في عدم رؤيته لها في عدم انتباهه لانكسارها في اعتقاده الدائم ان الامور بخير طالما لم تشتك وطالما لم تطلب وطالما لم تعترض لم يدرك ان بعض النساء يصمتن لا قوة بل تعبا وان بعض القلوب حين تتوقف عن الشكوى تكون قد وصلت الى اقصى حدودها
كانت تحتاج حضورا لا سؤالا تحتاج احتواء لا تقييما تحتاج ان تشعر انها ليست وحدها في هذا العالم لكنها كانت في كل مرة تجد نفسها تواجه الحياة بمفردها بينما من يفترض ان يكون شريكها يقف بعيدا مطمئنا لا يرى الا ما يفعله لا ما تعيشه
ومع الوقت بدأ الظلم يغيرها فقدت احساسها بالامان فقدت ثقتها في نفسها وفي استحقاقها لحياة افضل صارت تشك في مشاعرها وفي احلامها وفي حقها في ان تطلب اكثر كانت تشعر انها موجودة فقط لتكمل الصورة لا لتعيشها وكانت هذه اقسى انواع الخسارة ان تشعر انك زائد عن الحاجة في حياة يفترض انها لك
هذه ليست حكاية امرأة واحدة بل حكاية كثيرات يعشن ظلما صامتا داخل زواج يبدو مستقرا من الخارج لكنه فارغ من الداخل زواج يوفر الاشياء لكنه يغيب الانسانية زواج يقوم على الواجب ويغيب عنه الشعور
ومع ذلك ورغم كل ما عاشت لم تنكسر تماما لان بعض الارواح رغم انها تعيش كأنها روح بلا جسد تظل تحتفظ بشرارة صغيرة ترفض الانطفاء شرارة تعرف ان هذا ليس عدلا وان ما تعيشه ليس قدرا وان المرأة التي تموت من الداخل كل يوم لا بد ان تصل الى لحظة تقرر فيها ان تحيا من جديد لا كظل ولا كدور بل كإنسانة كاملة تستحق ان ترى وتسمع وتحتوى
التعليقات الأخيرة