العراق بين مطرقة الوصاية وسندان التبعية: قراءة في هندسة النظام وهشاشة السيادة
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
يضعنا قرار الكونغرس الأمريكي الأخير بالتصويت على قانون (DDR) الخاص بإعادة هيكلة الواقع الأمني في العراق أمام حقيقة مرة تتجاوز في أبعادها التفاصيل العسكرية لتلامس صلب مفهوم الدولة وسيادتها المفقودة، إذ يبرهن هذا الإجراء التشريعي الخارجي أن واشنطن ليست مجرد شريك أمني بل هي "المهندس" الحقيقي الذي يرسم حدود التحرك المسموح بها للمنظومة الحاكمة في بغداد. إن هذا القانون الذي يقضي بنزع سلاح الفصائل ودمجها وفق شروط تضعها الإدارة الأمريكية، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الولايات المتحدة تمتلك العلوية المطلقة في صناعة القرار العراقي، في حين يكتفي القابضون على سدة الحكم في العراق بموقع المتفرج أو المنفذ، مما يجعل السياسة المحلية تأتي في مرتبة ثانوية أو حتى ثالثة خلف الإرادات الدولية. والحقيقة التي يجب أن تدرك هي أن واشنطن لم تقبل بنظام المحاصصة والفساد الهش كأمر واقع فحسب، بل هي من أسست وتحمي هذه الهشاشة لأنها تضمن بقاء العراق في حالة احتياج دائم للوصاية، ولأن وجود طبقة سياسية تقتات على تقاسم النفوذ والمغانم يجعلها أكثر استجابة للضغوط والابتزاز المالي عبر بوابة الفيدرالي الأمريكي والتحكم بالدولار. وفي ظل هذا المشهد القاتم، تبدو المعارضة العراقية -أو من يدعيها- جزءاً من هذه التبعية، إذ إن أغلبهم لا يطمح لثورة بنيوية تستعيد القرار الوطني، بل يسعون لنيل الرضا الأمريكي طمعاً في استبدال "الموظفين" الحاليين ليكونوا هم البديل في إدارة ذات الوظيفة التابعة، باحثين عن معونة الخارج لا عن إرادة الشعب المغلوب على أمره. ومن هنا يجد المواطن العراقي نفسه، ومعه البنى الاجتماعية والأصيلة كالعشائر التي تناولنا معضلة نفوذها السياسي سابقاً، مجبراً على القبول بمعيشة "الموالي" لأحد القطبين؛ فإما الولاء لواشنطن أو لإيران لضمان الحد الأدنى من الأمان والمعيشة، بعد أن سُدت أمامه سبل الانتماء لدولة وطنية مستقلة تمتلك قرارها من داخل أسوارها لا من خلف البحار. إن التغيير المنشود لن يبدأ بمخاطبة الأدوات المحلية، بل بفهم أن المعارضة الحقيقية يجب أن توجه ضد الأجندة الدولية التي تشرعن هذا النظام وتحميه، ليكون الإصلاح عراقياً خالصاً يعيد للإنسان كرامته بعيداً عن صفقات الوصاية وهندسة التبعية.
التعليقات الأخيرة