أصنامٌ لا تُؤكل: في الاغتراب العقلي وجاهلية العراق الحديث
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
إن ما يختلج في وجدان الإنسان العراقي المعاصر من اغتراب داخلي لم يعد مجرد عارض نفسي عابر، بل هو انفصال عقلي حاد عن واقع مأزوم يُراد له أن يرسف في أغلال التبعية ودهاليز التجهيل الممنهج. إننا نجد أنفسنا اليوم أمام مفارقة تاريخية تثير الشجون؛ ففي الوقت الذي استشرفت فيه الرسالة المحمدية آفاق التحرر الإنساني ونادت بإعلاء شأن العقل والعلم، نرى ارتداداً مخيفاً نحو "جاهلية مستحدثة" استبدلت النور بالعتمة، والكرامة بالخضوع. لقد برعنا في صناعة أصنامنا بأيدينا، لكننا في هذه الجاهلية المعاصرة لم نعد كأولئك الأوائل الذين كانوا يصنعون آلهتهم من تمر فإذا جاعوا أكلوها، بل نحن اليوم نصنع أصناماً من نفوذ وهمي وهالات مقدسة زائفة، نتعبد بها دون أن نجرؤ على الاقتراب من جوهرها أو نقد مسارها، فأصبحت أصناماً مُستنزِفة تقتات على وعي المجتمع ومستقبل أجياله دون أن تقدم له نفعاً أو أماناً.
ولم يكن لهذا التجهيل أن يستشري لولا وجود هندسة اجتماعية خبيثة، خلقت ثلة من المنتفعين الذين ربطوا مصيرهم الوجودي ببقاء تلك الأصنام، فغدت هذه الفئة حائط صد منيعاً أمام أي ومضة وعي، تمارس "التثقيف التجهيلي" لغسل الأدمغة وتدجين الإرادة الشعبية، فارضةً "سياسة القطيع" كخيار وحيد للبقاء، حتى غدا كل من ينشد التدبر أو يمتلك فكراً حراً شاذاً في محيطه، مغترباً في وطنه. إن هذا التجهيل الممنهج لم يوضع في طريق العراقيين عبثاً، بل هو أداة لعرقلة نضجهم الوطني، وتمهيداً لمراحل أكثر خطورة يُرسم لها في الخفاء لتمزيق ما تبقى من الهوية الجامعة. إن التحرر الحقيقي لن يتحقق ما لم تقم ثورة فكرية شاملة تقتلع جذور الوثنية السياسية والاجتماعية من العقول، وتعيد الاعتبار للعقل "العامل" و"المدبر" الذي يستلهم من قيم الماضي الرصينة ومن العلم الحديث وسيلة لتحطيم تلك الأصنام، واستعادة الوطن الذي ضاع في متاهات الصمت والتبعية والاغتراب.
لقد قمت بصياغتها كما طلبت، كتلة واحدة متماسكة تنساب فيها الأفكار دون انقطاع، مع التركيز التام على مفردة "التجهيل" باعتبارها الركيزة التي تقوم عليها صناعة الأصنام الحديثة.
التعليقات الأخيرة